أحداث حلب.. بداية النهاية لتفكّك العلاقة بين المركز والأطراف في سوريا

إن إنشاء الدولة العَلمانية القومية التركية (الجمهورية الأولى) على يد الثالوث البريطاني الفرنسي اليهودي، خلال عشرينيات القرن العشرين، كانت في الأساس كياناً تمهيدياً على طريق المؤدية إلى إسرائيل وتشكيل الأنظمة المركزية في منطقة الشرق الأوسط. هذه الأنظمة التي عملت على تفكيك مجتمعاتها من الداخل بهدف ديمومة أنظمتها ومع ما تحمله من مشاريع استعمارية وتدخّلها في شؤون الدول المجاورة بهدف تحقيق مخططاتها.
ومع حلول أعوام الألفين يراد اتباع الراديكالية الإسلامية، ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم على يد الثالوث الأمريكي البريطاني الإسرائيلي بغية خدمة مصالح الهيمنة لهذا الثالوث في منطقة الشرق الأوسط. فحزب العدالة والتنمية مقابل الدور المناط به بات يطالب بمضاعفة الحصة، كما أن الخلافات بين الأطراف حول مضاعفة الحصص هو صراع متّفق عليه، ويمكن حلّها ضمن إطار النظام نفسه (النظام المهيمن) أما في حال تجاوز حزب العدالة والتنمية الحدود المرسومة له وضيق الخناق على النظام المهيمن فسوف يشهد وضعاً لن يختلف عمّا حلَّ بأسلافه وبحزب الشعب الجمهوري CHP().
فدولة التركية لعبت دوراً محورياً في تفتيت وتدمير سوريا من الداخل اقتصادياً واجتماعياً، واحتلال الجزء الشمالي من سوريا خلال عمر الأزمة السورية، وبعد سقوط الأسد وإنهاء النفوذ الإيراني في سوريا وسيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة في دمشق، رأت تركيا أن سوريا أصبحت منطقة نفوذ خالصة لها بحكم علاقتها العضوية بهيئة تحرير الشام (الحكومة المؤقتة في سوريا) ووجود مرتزقتها في الشمال السوري المحتل، وبدأت معها فصول جديدة في سوريا، قائمة على ضرب المكوّنات السورية التي ترى فيها خطراً على نفوذها، فبدأت هيئة تحرير الشام (الحكومة المؤقتة) وبإيعاز من تركيا بارتكاب المجازر بحق المكوّن العلوي في سوريا، ومن ثم ارتكاب مجازر بحق المكوّن الدرزي في الجنوب، إلا هدف الدولة التركية في المقام الأول كان مناطق الإدارة الذاتية وتفكيك قوات سوريا الديمقراطية، ورغم فشلها بالحصول على الضوء الأخضر الأمريكي للقيام بعملية عدوانية على المنطقة إلا أنها استغلت المفاوضات بين الحكومة المؤقتة وإسرائيل للتوقيع على الاتفاق الأمني بدفع ما يسمى بالجيش العربي السوري للقيام بعملية عسكرية كبيرة ضدّ حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوَي الغالبية الكردية بالرغم من وجود اتفاق 1 من نيسان بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، التي نصت في بنودها الحفاظ على الهوية الاجتماعية والخصوصية الثقافية للحيين، باعتبارهما من المناطق ذات الغالبية الكردية، إضافة إلى إعادة تفعيل الخدمات العامة ودمجها إداريًا مع محافظة حلب، بما يشمل القطاعات الخدمية والصحية والتعليمية، مقابل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية. إلا أن الضغوط التركية وقيام فصائل مرتزقتها المنضوية في وزارة الدفاع شكلياً بخرق اتفاق وقف إطلاق النار واتخاذ مهلة تطبيق اتفاق العاشر من آذار ذريعة لمهاجمة الحيّين رغم عدم وجود قوات سوريا الديمقراطية فيها، ليشنّ ما يسمى بالجيش العربي السوري الجديد عملية عسكرية همجية على الحيّين بمشاركة ما يقارب 42 ألف من المرتزقة الأتراك، وفصائل الجيش العربي السوري، وحتى عناصر من الميت التركي، وأربع طائرات بيرقدار التركية و67 طائرة مسيرة انتحارية، وأكثر من 110 دبابات و57 مدرعة و22 راجمة صواريخ، مقابل بضعة مئات من عناصر الأمن (الأسايش).
أحداث حيّي الشيخ مقصود والأشرفية
إن ما حدث في حلب في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية، وتجاهل النظام السوري الجديد اتفاق الأول من نيسان مع قوات سوريا الديمقراطية، ما هي إلا نتيجة توافقات إقليمية بين إسرائيل وتركيا والحكومة المؤقتة في دمشق. مقابل الاتفاق الأمني بين سوريا (الحكومة المؤقتة) وإسرائيل، تم إدراج هاتين المنطقتين على جدول الاجتماع الإسرائيلي السوري في باريس وبوجود وزير الخارجية التركي هكان فيدان في باريس. فعدم التوصل إلى اتفاق أمني نهائي بين النظام السوري الجديد وإسرائيل، رغم اعتراف هذا النظام بجميع المطالب الإسرائيلية منذ وصوله إلى سدة الحكم 8/12/2025، ناتج عن الضغوط التركية المتزايدة على النظام السوري الجديد لمنع التوقيع على الاتفاق الأمني ما لم تؤخذ المصالح والمطامع التركية بعين الاعتبار، فبمجرد انتهاء الاجتماع في باريس حتى بدأت العمليات العسكرية (الإرهابية) على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية من أجل السيطرة عليها وإنهاء أحد اشكال اللامركزية الديمقراطية في حلب، والتي كان يمثلها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، رغم وجود اتفاق امني بين قسد والنظام الجديد بعد انسحاب قوات سوريا الدمقراطية من الحيّين؛ حيث أكد على بقاء البنية الأمنية المحلية، مع استمرار التنسيق الرسمي مع وزارة الداخلية السورية عبر آلية مشتركة، كما نص الاتفاق على منع دخول فصائل مسلحة خارجية وتعزيز الاستقرار والتعايش المشترك، مع إبقاء التنسيق المحلي بين المجتمع والإدارة الرسمية.
وهو مؤشر واضح على عدم تقيد الحكومة الإسلاموية في دمشق بالعهود والمواثيق الموقعة مع قوات سوريا الديمقراطية، وأنها مستعدة للتنازل لبعض الدول الإقليمية مقابل عدم تطبيق النظام اللامركزي في سوريا والتي تطالب بها قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا إلى جانب المكون العلوي والدرزي والكثير من الأطياف السورية الرافضة للنظام المركزي، لخشيتهم من إعادة تدوير سياسة النظام السابق.
إن هذا النظام الإرهابي القائم على الفكر الداعشي في ارتكاب المجازر بحق المكونات السورية (العلوية والدرزية والكردية) دون أي رادع وبتواطؤ من المجتمع الدولي سيجر سوريا إلى أزمة أشد وأكبر وسيجعل سوريا تسير نحو التقسيم.
التدخلات الإقليمية في سوريا
ترى الدول الإقليمية (تركيا والدول الخليجية) أن دعم النظام الإسلاموي في دمشق، والحفاظ على النظام المركزي بدلا من إنشاء نظام لامركزي سيحمي سوريا من التقسيم، كما أن اتباع سياسة عدائية ضد قوات سوريا الديمقراطية وتجاهل المجازر والانتهاكات التي يمارسها النظام السوري الجديد ضد المكونات السورية الرافضة للنظام المركزي (العلوي والدرزي والكردي وأطياف أخرى) سيحافظ على وحدة سوريا من التقسيم. بالرغم من أن النظام اللامركزي صمام أمان سوريا من التقسيم بعد فشل النظام المركزي في الحفاظ على النسيج السوري.
وفي ظل السياسة الإرهابية التي ينتهجها هذا النظام، والدعم اللامحدود من قبل الدول الإقليمية؛ تتجه سوريا نحو التقسيم، فمشروع الشرق الأوسط الجديد قائم على إنهاء الأنظمة المركزية التي أنشأتها في عشرينيات القرن الماضي بعد انتهاء دورها المناط بها (خلق صراعات طائفية ومذهبية – خلق خلافات إقليمية وعربية عربية وتجويع شعوبها مقابل مشاريعها الاستعمارية وإنهاء القضية الفلسطينية)، وعدم قدرتها على خدمة النظام المهيمن في ظل التحديات الجديدة التي تواجه النظام المهيمن.
فسوريا تتجه نحو اللامركزية لكن بعد إثبات فشل النظام المركزي الذي عمل وما يزال يعمل على تفكيك النسيج السورية، وجعل سوريا منهارة اقتصادياً وتحت رحمة الدول الإقليمية والدولية. فالمجازر والانتهاكات التي مارسها النظام المركزي القمعي الجديد بحق المكونات السورية وبدعم وتواطؤ من الدول الإقليمية (الدول الخليجية والدولة التركية) ستجعل من سوريا دولة مفككة وضعيفة، وما حدث بحق المكون الكردي في الشيخ مقصود والأشرفية هو استكمال لهذا المخطط.
تركيا تطالب بحصتها في سوريا بعدما قدمت خدمات جلية للنظام المهيمن في تدمير سوريا وتفكيك النسيج السوري، وترى أن حلب جزء هام في تنفيذ ميثاقها الملي؛ لذا قد يبدو لتركيا أنها الفائز الأكبر من الأزمة السورية، وأنها على طريق تحقيق احلامها العثمانية في المنطقة بعد إنهاء الوجود الكردي في حلب والسيطرة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلا أن الحقيقة هي أن تركيا هي الحلقة الأضعف في النظام المهيمن؛ لما تعانيه من أزمات كثيرة في داخلها. فالشراكة التاريخية بين الترك والكرد هي التي كلّلت حرب التحرير الوطنية بالنصر (حروب الاستقلال التي خاضتها تركيا ضد الغرب بعد انهيار الدولة العثمانية 1920 – 1923) رغم محاولات بريطانية في تلك الفترة لإفشال هذه الشراكة، لكن بعد تشكيلها للدولة التركية الحديثة، والسياسة التي انتهجتها الجمهورية الأولى (CHP) ومن ثم في عهد الجمهورية الثانية (AKP) بحق الكرد قد أنهت هذه الشراكة، واستطاعت بريطانيا إنهاء هذه الشراكة، رغم المحاولات العديدة لحزب العمال الكردستاني إحياء هذه الشراكة وتحقيق السلام الدائم والوقوف في وجه مخططات النظام المهيمن. وما تفعله الدولة التركية بحق الكرد في سوريا (عفرين – كري سبي وسري كانيه – الشيخ مقصود والأشرفية) بزيادة الفجوة بين الكرد والترك ستنعكس عليها سلباً على المدى القريب أو المتوسط، وستكون بداية انهيار الدولة التركية من الداخل رغم المحاولات غير الجدية التي يقوم بها دولت بهجلي زعيم الحركة القومية العنصري في إعادة السلام التركي الكردي (الأخوة التركية الكردية) للوقوف في وجه مشروع الشرق الأوسط الجديد.
كما أن الداعمين من الدول العربية، وبالأخص الدول الخليجية، للنظام السوري الجديد سيأتي الوقت الذي ستقبل بالنظام اللامركزي كحل مستدام في سوريا، وستعمل على تنفيذ شروط النظام المهيمن فقط من أجل حماية أنظمتهم. والأزمة الفنزويلية وسيطرة الشركات الأمريكية على النفط والثروات الباطنية في فنزويلا بداية فقدان الأنظمة الخليجية لورقة النفط، وبداية انهيار منظمة أوبك المصدّرة للنفط د؛ وبالتالي ستكون الدول الخليجية تحت رحمة النظام المهيمن، وستقبل مرغمة شروط النظام المهيمن المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد وبالصراع الأمريكي الصيني.
النتائج المترتبة على سوريا بعد أحداث الشيخ مقصود والأشرفية
إن أحداث الشيخ مقصود والأشرفية والانتهاكات التي طالت المكون الكردي فيها، هي بداية انهيار العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري الجديد، وبداية الخلافات بين المكون الكردي والحكومة المؤقتة، بعد انهيار العلاقة بين المكونين العلوي والدرزي مع النظام السوري الجديد، وبداية انهيار العلاقة بين المركز والأطراف. حيث أثبت الجيش العربي السوري الجديد (الذي يضم فصائل إرهابية وخارجة عن سيطرة وزارة الدفاع، ومتربطة بالأجندة التركية) من خلال المجازر التي ارتكبها بحق المكونات السورية، واستخدام المساجد للجهاد ضد المكونات السورية الرافضة للنظام المركزي ولسياسة النظام الجديد، الأيديولوجية التي تسير عليها والتي تشبه أيديولوجية داعش بارتكاب المجازر لفرض سيطرته بالقوة على المناطق، كما أن النظام السوري الجديد أصبح أسير النفوذ التركي، فالعلاقة العضوية التي تربطه بتركيا تشبه العلاقة العضوية التي كانت تربط النظام السابق بإيران، وهو ما يشكل تهديداً مستقبلياً لأمن إسرائيل، فإسرائيل حتى وإن منحت هي والولايات المتحدة الضوء الأخضر لتركيا وللنظام السوري الجديد القمعي للقيام بعملية عسكرية همجية على الشيخ مقصود والأشرفية، إنما هي تساير تركيا في الوقت الحالي وضمن حدود معينة للوصول إلى اتفاق أمني مع الحكومة الانتقالية. فبعد حصول إسرائيل على مبتغاها سيبدأ معها فصل جديد في الأزمة السورية، قائمة على إنهاء العلاقة العضوية التي تربط تركيا بالنظام السوري الجديد وإنهاء النفوذ التركي مثلما أنهت النفوذ الإيراني في سوريا وأسقطت النظام السوري السابق، وليس مستبعداً أن يلاقي هذا النظام السوري الجديد مصير النظام السابق، لكن بعد أداء فروضه في تفكيك النسيج السوري أكثر، والتنازل عن الجنوب لإسرائيل، وغيرها من الفروض التي ما تزال على جدول أعمالها.
فالسياسة التي انتهجها النظام السوري الجديد، والقائمة على ارتكاب المجازر والانتهاكات بحق المكونات السورية (المكون العلوي في الساحل السوري والمكون الدرزي في الجنوب) لفرض سيطرتها بالقوة، قد أدت إلى خلق عدم الثقة بهذا النظام، والخشية من تعرضهم لمجازر وانتهاكات جديدة، والمطالبة بنظام فيدرالي يحمي مناطقهم من ممارسات هذا النظام الذي عمل منذ وصوله وبدعم تركي وبعض الدول العربية على تفكيك المجتمع السوري، وإنهاء ما تبقّى من العلاقة التي كانت تربط المركز بالأطراف.
فأحداث حلب التي تسبب بها هذا النظام رغم وجود اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بعد انسحابها من الحيّين لحماية المدنيين، مرحلة مفصلية في تاريخ سوريا، وقد تكون بداية النهاية للعلاقة التي تربط المركز بالأطراف، والتي قد تظهر نتائجها بشكل جلي في حال حصول مواجهة كبيرة بين قوات سوريا الديمقراطية وما يسمى بالجيش العربي السوري الجديد.


