تحوّلات الشرق الأوسط بين الفواعل الداخلية والإقليمية والدولية

عباس شيخموس

مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، ليس بمشروع يمكن تجاهله أو أنّه صعب التحقيق في نظر بعض الأنظمة الحاكمة لاعتبارات مرتبطة بتحالفها مع الغرب ومع الولايات المتحدة. يمكن ربط بدء هذا المشروع (المرحلة الأولى) بتثبيت الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، والذي بدأ مع الحرب الإيرانية – العراقية (حرب الخليج الأولى)، ومن ثم حرب الخليج الثانية بين التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة، والنظام العراقي من جهة ثانية بعد احتلال العراق للكويت وما نجم عنه من تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق بحسب الحظر الجوي، في الجنوب (الشيعة) وفي الوسط نظام صدام حسين (السُّنّي) وفي الشمال (الكرد)، والتآمر الدولي على القائد الكردي عبد الله أوجلان 1998 ومن ثم أحداث 11 أيلول وبروز مصطلح محاربة الإرهاب، ومن ثم سقوط نظام صدام حسين 2003 وتغيّر نظام الحكم من نظام مركزي إلى نظام فيدرالي اتحادي، ومن ثم البدء بمرحلة ربيع الشعوب في بعض الدول العربية، ومن بينها سوريا التي بدأت تتحوّل – مع بدايات الأزمة السورية – إلى منطقة نفوذ إيرانية، وربطها بمشروعها الهلال الشيعي (طهران بغداد دمشق بيروت)؛ حيث أنفقت إيران مليارات الدولارات خلال الأزمة السورية من أجل تثبيت نفوذها في سوريا، إلّا أنّها خسرتها بين ليلة وضحاها، وفي المقابل ظهر تنظيم داعش والتنظيمات الجهادية السُّنّية ومن بينها مرتزقة تركيا، وبدأت تلوح في الأفق حرب بين السُّنّة والشيعة، خصوصاً في سوريا بين الموالين للنظام السوري البائد (الشيعة) وبين الموالين لتركيا (الفصائل السُّنّية ومرتزقتها)، والتي انتهت بسقوط النظام الأسدي في 8/12/2024وانتهاء النفوذ الإيراني فيها.

يمكن القول أنّ المرحلة الثانية بدأت مع ربيع الشعوب في المنطقة، والتي كان من أبرز محطاتها 7 أكتوبر وبروز الدور الإسرائيلي المباشر في المنطقة وما نجم عنها من أحداث وتغييرات كبيرة في المنطقة. حيث يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة إعادة ترتيب الأحجار المبعثَرة للبدء بالمرحلة الثالثة، والتي يمكن ربطها بأكبر دولتين في منطقة الشرق الأوسط (إيران وتركيا). حيث تُعَدّ العراق وسوريا بوّابة الدخول إلى هاتين الدولتين؛ لما تربطهما من علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وعرقية، فالعراق أصبح بعد سقوط نظام صدام حسين منطقة نفوذ إيرانية، وسوريا بعد سقوط بشار الأسد أصبحت منطقة نفوذ تركية.

العراق

مع بدء حرب الخليج الثانية تم فرض حظر جوّي على العراق في الشمال والجنوب، وتمّ تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق؛ الكرد في الشمال، والشيعة في الجنوب، والسُّنّة  في الوسط وكان يمثّلهم نظام صدام حسين، لكن بعد سقوط نظام البعثي العراقي تم تحويل العراق من نظام مركزي إلى نظام فيدرالي اتحادي بين العرب والكرد (أربيل وبغداد)، مع تقاسم الرئاسات الثلاث؛ رئاسة الجمهورية للكرد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسُّنة، لكن تم تجاهل المنطقة السُّنّية، ويمكن ربطها باستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة، وكذلك يمكن ربطها بالأزمة السورية بسوريا وظهور تنظيم داعش. حيث بات الطريق سالكاً أمام إيران للدخول إلى سوريا دون عوائق وتحويلها إلى منطقة نفوذ إيرانية لاستكمال مشروعها الشيعي، طريق طهران بغداد دمشق بيروت، وقد خسرتها بين ليلة وضحاها في ليلة 8 من ديسمبر من عام 2024. هذا التجاهل للسُّنّة في العراق يمكن اعتباره تجاهلاً مؤقّتاً إلى حين مجيء وقتها المناسب، ولتأسيس منطقة السُّنّة لا بدّ من وجود صراع سني – شيعي، والعراق مليئة بالانقسامات والخلافات، وبالأخص تهميش السُّنّة؛ ففي العراق لا بدّ من إنشاء نظام فيدرالي اتحادي من ثلاث مناطق، شيعية سُّنّية كردية، وهو ما سيضعف النفوذ الإيراني أكثر في العراق، خاصة أنّ هناك أطرافاً من الشيعة ضدّ النفوذ الإيراني في العراق. كما أنّ أي حرب قد تشنّها إسرائيل ضدّ حزب الله في لبنان ستلقي بظلالها على العراق (الحشد الشعبي)، وهو ما قد يسفر عن حدوث تصادم سُنّي – شيعي بدعم من أطراف إقليمية ودولية، لإنهاء الحشد الشيعي أو إضعافه، وللتخلّص من الجماعات الجهادية في المنطقة، أي ضرب الجماعات بعضها ببعض، والتي تشكّل خطراً على الأمن القومي الإسرائيلي.

سوريا

في عمر الأزمة السورية وقبل سقوط النظام الأسدي لم يكن مصطلح اللامركزية شائعاً كما هو اليوم، بل كان سقوط النظام البعثي هو الأكثر تداولاً بين الأطراف المتحاربة، أما بعد سقوط الأسد فباتت سوريا مقسّمة بين مؤيّدي النظام المركزي ومؤيّدي النظام اللامركزي، بين السلطة الجديدة وبين الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا. فبعد سيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة في دمشق كان من المفترض إعادة ترتيب الفسيفساء السورية وإنهاء الطائفية، ووضع دستور للبلاد يحفظ حقوق جميع المكوّنات السورية لتساهم جميعها في إعادة الإعمار؛ إلّا أنّ ما حدث هو العكس، حيث تم تدمير الفسيفساء السورية، وزادت حدّة الطائفية بعد ارتكاب مجازر بحق المكوّن العلوي ومن ثم المكوّن الدرزي، وما تزال هذه السياسة مستمرّة حتى الآن؛ ما قد ينذر بحرب أهلية، خاصة في حال قرّرت السلطة الجديدة القيام بعملية عسكرية عدوانية ضدّ مناطق الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية.

النظام السوري الجديد وهو نظام مسيّر لا يملك القرار السيادي، فهو مرتبط بتركيا، وقراراته تأتي من أنقرة، وتركيا تحاول أخذ الدور الإيراني في سوريا، لكن ما تفعله سينعكس عليها سلباً حين بدء المرحلة الثالثة من مخطّط الشرق الأوسط الجديد، فإيران بقوّتها العسكرية والمالية خسرت كل شيء بين ليلة وضحاها، ولن يسمح الغرب بأن تصبح إيران دولة قوية تهدّد جيرانها، خصوصاً إسرائيل، وهو ما سينطبق على تركيا؛ فأردوغان يظنّ أنّه يمسك بخيوط اللعبة، وأنّه قادر على تقوية نفوذه في سوريا، كونه يَعُدّ نفسه أحد ركائز تغيير الشرق الأوسط  وأحد حلفاء الغرب، ويرى أنّ سوريا تُعَدّ من حصته لقاء الخدمات التي يقدّمها للغرب. إلّا أنّ الحقيقة هي أنّ تركيا تُعَدّ الحلقة الأضعف في النظام العالمي؛ ففي الوقت الذي يقرّره الغرب سيفقد أردوغان جميع الخيوط دفعة واحدة. وهذا الأمر تنبّه له زعيم حزب الحركة القومي العنصري دولت بهجلي، والذي نبّه أردوغان لمخاطر المرحلة القادمة، وأنّه لا بدّ من فتح صفحة جديدة من السلام الحقيقي مع الكرد عن طريق القائد الكردي عبد الله أوجلان، إلّا أنّ النظام التركي لم يقم بأي خطوات تجاه نداء السلام الذي أطلقه القائد الكردي من سجنه في إيمرالي، واتّخذ خطوات تاريخية؛ من وقف إطلاق النار، إلى وضع السلاح وحلّ الحزب (حزب العمال الكردستاني)، إلّا أنّ أردوغان مُصرّ على ربط عملية السلام التركية بسوريا، من خلال حلّ قوات سوريا الديمقراطية والاندماج بالجيش السوري ضمن نظام مركزي، ويصرّ على أنّ الإصرار على المركزية في سوريا سوف يحمي تركيا ونظامها من السقوط أو من رياح التغيير.

نتيجة السياسة التي انتهجها النظام الجديد، من مجازر بحق الدروز، والتدخّل الإسرائيلي، تحوّلت منطقة السويداء إلى إدارة ذاتية ناشئة، أمّا منطقة الساحل – ورغم المجازر المرتكَبة بحق المكوّن العلوي – إلّا أنّها لم تستطع تشكيل إدارة ذاتية رغم إنشاء المجلس العلوي لغرب ووسط سوريا في الخارج، ليس بسبب سياسة نظام الأسد، بل يمكن ربطها بحسابات أمريكية إسرائيلية متعلقة بالوجود الروسي العسكري (حميميم وطرطوس)، وعدم السماح لروسيا – بحكم موقعها العسكري في الساحل – بتقوية وجودها مرة أخرى في حال تم إنشاء إدارة ذاتية في غرب سوريا من جهة، والترابط المذهبي بين العلويين وإيران وعدم السماح لإيران من استغلال ذلك، إلى جانب غنى الساحل السوري بالغاز، وكونه منطقة عبور للطاقة إلى أوروبا، ومحاولات تركيا التمدّد في الساحل والسيطرة على موارده من خلال الاستثمارات أو حتى منع جعل الساحل منطقة عبور للطاقة إلى أوروبا، والتي قد تؤثّر على موقعها الجيوسياسي لنقل الطاقة. هذه العوامل أدّت إلى عدم تلقّي العلويين أي دعم خارجي، على غرار الدروز، وأدّت كذلك لغضّ النظر عن ممارسات النظام الجديد بحق المكوّن العلوي (المجازر والانتهاكات) على الأقلّ في الوقت الحالي.

أمّا الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية فقد باتت حقيقة واقعية لا بدّ على جميع الأطراف والدول الإقليمية القبول بها، لكن هذا لا يعني أنّها عصيّة على المخاطر المستقبلية؛ فتركيا ومرتزقتها بانتظار الضوء الأخضر لشنّ عدوان عسكري ضدّ المنطقة، كما أنّ النظام السوري الجديد يريد تبرير تدخّله العسكري (بحسب زعمه) بفشل تطبيق اتفاقية 10 آذار بعد انتهاء المهلة المحدّدة.

إعادة ترتيب الأحجار في المنطقة

تعيش المنطقة حالة من الفوضى المصطنعة بعد سقوط نظام الأسد وما نتج عنه من تغيير أو تحوّل في مناطق النفوذ (بين إيران وتركيا)، وتنامي الفكر الجهادي، لذا من المفترض إعادة ترتيب الأحجار في المنطقة للتحضير للمرحلة المقبلة ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ لما لسوريا من أهمية كبيرة، سواء كممرّ لنقل الطاقة، أو لغناها بالثروات الباطنية كالغاز، أو أنّها مرتبطة بالأمن القومي الإسرائيلي.

فالنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع غير قادر على ضبط الأمن في سوريا، نتيجة الفكر المتطرّف والفصائل الخارجة عن سلطته والمرتبطة بأجندة خارجية، وهو غير قادر على تحقيق توازن في العلاقات الخارجية بين الأطراف الإقليمية والدولية، أو حتى تحقيق نوع من الاستقرار الاقتصادي؛ حيث أنّ النظام الجديد ما يزال يعتمد على الدعم الخليجي، وهو ما يعني حدوث انهيار في العملة السورية مجرد وقف الدعم الخليجي. إلّا أنّه يطمع لأن يأخذ دور بيت الأسد في سوريا، وأن يحوّل سوريا إلي بيت الشرع، ويحكمها لفترات طويلة بغضّ النظر عمّا يجري في سوريا داخلياً وخارجياً؛ وقانون الانتخابات الذي تم استحداثه والعملية الانتخابية كذلك تعكس هذه الرؤية، كما أنّ هذا النظام مسيّر وليس مخيراً، ولا يمكنه اتخاذ أي قرارات دون الرجوع إلى الأطراف الإقليمية والدولية.

 إنّ مجيء هذا النظام هو جزء رئيسي في هذه المرحلة، حيث تتم برمجة سوريا بما يتناسب وأجندتها المرحلية (الغرب وإسرائيل)؛ فسوريا في عهده القصير باتت معقلاً للتنظيمات الجهادية والتكفيرية والمدعومة من تركيا، وهذه التنظيمات والفكر السلفي غير المنضبط تراها إسرائيل خطراً يهدّد أمنها القومي، وتراها أشدّ خطورة من التي كانت تشكّلها الأذرع الإيرانية؛ كون تركيا ونتيجة لعلاقتها العضوية بالتنظيمات الجهادية لها القدرة على التحكّم بها، وتتّخذها ورقة قوية بيدها، وهو ما لن تسمح به إسرائيل، لذا فإنّها ما تزال ترى في أحمد الشرع ذاك الشخص المدرَج على قوائم الإرهاب. ولذلك يتوجّب على أحمد الشرع أخذ المخاوف الإسرائيلية وإدراج سوريا تحت البند السابع على محمل الجد، وعليه العمل على إنهاء وجود تلك التنظيمات، ونتيجة للعلاقة العضوية التي تربط هذه التنظيمات بدولة الاحتلال التركي لا بدّ من اتباع سياسة معيّنة في سوريا؛ فإسرائيل لن تسمح لتركيا بأخذ الدور الإيراني في سوريا، وأولى الخطوات التي تؤكّد قصقصة أجنحة تركيا في المنطقة هو قصف المواقع التي حاولت تركيا إنشاء قواعد أو نقاط عسكرية فيها في العمق السوري، وإدراج إخوان المسلمين في عدد من الدول على قوائم الإرهاب، وإدراج بعض الفصائل من مرتزقة تركيا وقادتها العسكريين على قوائم العقوبات الغربية.

وحول كيفية التخلّص منها، والتي هي إحدى قواعد التغيير في المنطقة، لا بدّ من زجّها في معارك داخلية، سواء من خلال تقديم معلومات استخباراتية من قبل النظام الجديد في سوريا للولايات المتحدة وإسرائيل، لتصفية قادة الصف الأول لهذه التنظيمات، أو حتى القيام بعملية عسكرية ضدّ قوات سوريا الديمقراطية، لتكون محطّة محورية لإضعاف هذه التنظيمات على يد قوات سوريا الديمقراطية وبدعم من التحالف الدولي، أو بزجّها في معارك خارجية من خلال اختلاق خلافات بين الجيش السوري وحزب الله، تبدأ بمناوشات وتنتهي بحرب مع حزب الله اللبناني تزامناً مع حرب إسرائيلية ضدّ حزب الله واستهداف مواقع الحزب في حال بقي سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة. فهذه التنظيمات الجهادية إلى جانب حزب الله حتى – وإن كانت مرتبطة بتركيا وإيران – ما هي إلّا أدوات مؤقّتة لتحقيق المصالح الأمريكية والإسرائيلية على غرار حركة حماس ومن ثم إنهائها أو إضعافها على أقلّ تقدير.

مستقبل سوريا يتّجه نحو النظام اللامركزي، بغضّ النظر عن موقف النظام السوري الجديد أو التركي أو حتى مواقف بعض الدول العربية، فجميعها سترضخ للأمر الواقع عاجلاً أم آجلاً، وسوريا ستتكوّن من عدة إدارات مرتبطة بدمشق، لكن السياسة التي انتهجها النظام الجديد، والدور التركي، ستجعل من هذه الإدارات متناحرة. أمّا في العراق ذي النظام الاتحادي فقد بقي محصوراً بين العرب والكرد (بغداد وأربيل)، وهو تقسيم مغاير لتقسيم العراق إبّان حرب الخليج الثانية؛ حيث تم تقسيم العراق إلى ثلاثة اقسام، الكرد في الشمال، والشيعة في الجنوب، والسُّنّة في الوسط، فإمّا أن يبقى العراق على هذه الحالة، دولة تشوبها الخلافات بين الطرفين (أربيل وبغداد)، وبين السُّنّة والشيعة، والتي تؤثر على مكانة العراق، ومدى قدرة الغرب في التحكّم بها، أو أن يتّجه العراق نحو تقسيم جديد، نظام اتحادي مكوّن من ثلاثة أقاليم: كرديّ – شيعيّ – سُنّي؛ وهذا الأمر مرتبط بصراع سُنّي – شيعي، سواء أكان هذا الصراع داخلياً أو خارجياً، وله امتدادات مرتبطة بالوضع الأمني في سوريا ولبنان. وقد لا يتوقّف الأمر عند النظام اللامركزي، بل قد تتّجه المنطقة نحو التقسيم، وهي المرحلة النهائية من مشروع الشرق الأوسط الكبير. فإسقاط الحكومات ومن ثم إنشاء أنظمة لا مركزية بدلاً من الأنظمة المركزية التي انتهى دورها ونتيجة الخلافات بين الإدارات والمركز وكحلّ مستدام يقبله الجميع، يتمّ تقسيم المنطقة إلى إدارات مستقلّة. وللوصول إلى هذه المرحلة لا بدّ من إحداث تغييرات فيما تبقّى من الدول المركزية، كتركيا وإيران، حينها ستكون إسرائيل الدولة المركزية التي تدور في فلكها جميع الدول الشرق أوسطية.

الحلّ الأمثل

مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد أو تحت أي مسمّى هو مشروع غربيّ لا يمكن تجاهله، فجميع الدول الشرق أوسطية ستهبّ عليها رياح التغيير، في ظل فروق كبيرة في موازين القوى بين الغرب ودول الشرق الأوسط، وفي ظل أنظمة مركزية قمعية شوفينية، وعلى الرغم من امتلاك بعض الدول الشرق أوسطية قوة عسكرية كبيرة إلّا أنّ بنيتها الداخلية هشّة ويمكن اختراقها من قبل النظام العالمي، لذا فإنّ دول الشرق الأوسط التي لم تهبّ عليها رياح التغيير سيأتي وقتها، وستكون عرضة لهذه الرياح، وحينها ستكون غير قادرة في الوقوف بوجه هذه الرياح حتى وإن كانت حليفة للدول العظمى. إلّا أنّ هذه الرياح لم تأتِ لخدمة شعوب المنطقة (الفوضى الخلّاقة) بل ستجعلها أكثر خضوعاً للقوى العالمية؛ فهذا المشروع يأتي لإعادة ترتيب المنطقة للسيطرة عليها لمئة عامة أخرى، حيث أثبتت التجارب أنّ الأنظمة الشرق أوسطية، والتي أنشأتها القوى الغربية بعد تفكيك الدولة العثمانية، لم تخدم شعوب المنطقة، وإنّما عملت على تفكيك المنطقة أكثر، بحيث أصبح بقاء هذه الأنظمة مرتبطة برضى الغرب عنها (تأخذ شرعيتها من الغرب لا من شعوبها)، ولم تستطع هذه الأنظمة بناء دول قوية تكون في مصاف الدول العظمى، رغم الإمكانيات البشرية والاقتصادية التي تمتلكها، إلّا أنّها وضعتها في خدمة تلك القوى على مدى قرن من الزمن بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه الأنظمة باتت تحت رحمة الغرب والتطوّرات والأزمات والصراعات التي يشهدها العالم، ومع بروز قوىً كبرى على الساحة الدولية فإنّ الأنظمة المركزية التي أنشأتها في القرن العشرين لم تعد تلبّي تطلّعاتها في السيطرة على المنطقة، بل أصبحت تشكّل عائقاً في مواجهة القوى الجديدة، ممّا جعل من إعادة ترتيب الشرق الأوسط من جديد ضرورة حتمية للقوى الغربية للحفاظ على هيمنتها.

 قد يبدو أنّ هذا التقسيم القائم على إعادة تقييم اتفاقية سايكس بيكو (الأنظمة المركزية) لا يناسب القومويّين والعنصريين، باعتبار الحدود التي اصطنعتها كُلٌّ من بريطانيا وفرنسا في بدايات القران العشرين لخدمة مصالحهما ولبناء دولة إسرائيل، باتت مقدسة لدى هؤلاء ولا يجوز تغييرها بذريعة أنّها سوف تؤدّي إلى التقسيم، حتى وإن كانت هذه الأنظمة المركزية تخدم القوى الخارجية على حساب شعوب المنطقة. ولكيلا تبقى هذه المنطقة ضعيفة وخاضعة لأجندة خارجية لا بدّ من اتّباع سياسة داخلية جديدة قائمة على أسس ديمقراطية؛ تبدأ بإعادة صياغة دساتيرها وفق منظور شعوبها لا وفق منظور القوى المهيمنة، حتى تصبح قادرة على إنهاء خلافاتها الداخلية وإعادة إعمار مناطقها، وتجعلها عصيّة أمام المخطّطات الغربية، ومن ثم النهوض بها لمصاف القوى العظمى. ويُعَدّ مشروع المجتمع الديمقراطي أحد الحلول الناجعة في وجه المخطّطات الغربية الرامية لتقسيم المنطقة إلى كيانات صغيرة وضعيفة؛ فهذا المشروع يهدف لإنهاء الخلافات والأزمات الداخلية القائمة على الطائفية والعصبية وفق أسس ديمقراطية، وإعادة ترتيب البيت الداخلي ضمن أسس ديمقراطية دون الانزلاق إلى حرب أهلية، وتلك الأسس قادرة على إخراج أنظمتها من التبعية الخارجية، والنهوض بدولها لمصاف الدول الكبرى. قد يبدو تطبيق هذا المشروع صعباً نظراً للتدخّلات الإقليمية والدولية، وبروز النزعة الطائفية والعصبية، وفصائل مسلحة خارجة عن السيطرة وتحوّل بعضها إلى مرتزقة تعمل على تنفيذ أجندة إقليمية؛ إلّا أنّ تطبيق هذا المشروع ليس مستحيلاً إن كانت هناك إرادة حقيقية لإعادة بناء المنطقة وتحقيق الأمن والسلم، والإدارة الذاتية – رغم الهجمات التي تتعرّض لها داخلياً وإقليمياً ودولياً – إلّا أنّها قدّمت صورة واضحة عن هذا المشروع وإمكانية تطبيقه في عموم سوريا.

فتركيا بعد انهيار السلطنة العثمانية لم تكن لتستطيع تحرير مناطقها من الاحتلال الغربي لو لم تُعِد التحالفات الداخلية لمواجهة المخطّطات الغربية، فكمال أتاتورك، باني الدولة التركية الحديثة، لم يكن يستطيع خوض حروب الاستقلال إلّا بعد إقامة تحالف مع الكرد مقابل منحهم حقوقهم، إلّا أنّ أتاتورك وبدلاً من الوفاء بعهوده بعد انتصاره وبعد تحرير تركيا من الاحتلال الغربي، قد انقلب على الكرد واتّبع بحقّهم سياسة التتريك والصهر وإطلاق مشروع إصلاح الشرق (الذي هدف إلى تهجير الكرد من مناطقهم وتغيير ديموغرافية المنطقة الكردية)؛ ما أدّى إلى إضعاف تركيا لتصبح تحت رحمة شبكة الغلاديو. ولخروج تركيا من هذه الدائرة ولتكون في مصاف الدول العظمى لا بدّ من إعادة تحديث تحالفها مع الكرد وفق قاعدة المجتمع الديمقراطي، وهذه حقيقة أدركها العنصري وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي (طبعاً بعد فشله وفشل النظام التركي من إنهاء الحركة الكردية) بأنّ الحلّ الوحيد أمام مشروع الشرق الأوسط الكبير هو إعادة الحوار والسلام مع الكرد انطلاقاً من إيمرالي. على الرغم من رضوخ تركيا لهذه الحقيقة إلّا أنّ السؤال الذي يمكن طرحه هو: هل أردوغان ودولت بهجلي، المشبعان بالعنصرية والحقد تجاه الكرد، قادران على وضع تركيا على السكّة الصحيحة ومنعها من الانحراف مرّة ثانية، أم أنّ أردوغان بيدق الغرب غير قادر على تجاوز الخطوط الحمراء أم أنه يخشى أن يلاقي مصير أسلافه الذين تجاوزوا الخطوط الحمراء أو مصير صدام حسين ومعمر القذافي أو حتى مصير بشار الأسد؟

 وهذا الأمر (تصحيح المسار) ينطبق على كلٍ من سوريا والعراق وإيران؛ إذ يترتّب على أنظمتها إعادة ترتيب بيتها الداخلي وفق أسس المجتمع الديمقراطي، فسوريا التي تمرّ بمرحلة مفصلية في تاريخها بعد سقوط النظام البعثي، يتوجّب على نظامها الجديد (الرئيس المؤقّت أحمد الشرع) اتباع سياسة تمكّنه من توحيد الشعب السوري تحت مظلّة نظام ديمقراطي تعدّدي، تتمتّع فيه جميع المكوّنات بحقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى العسكرية، لبناء دولة قوية قادرة على الوقوف في وجه المخطّطات الخارجية الرامية لإضعاف سوريا والسيطرة عليها لمئة عام أخرى، فليس من المستبعَد في ظل السياسة التي تنتهجها السلطة الانتقالية، توريط سوريا في نزاعات إقليمية مذهبية (في حال بقي الفكر المتطرّف هو السائد).  وأولى هذه الخطوات هي إنهاء الفصائل المسلّحة الخارجة عن سيطرة الدولة والتي لها أجندات خارجية، وبالتالي بداية إنهاء التبعية الخارجية، ووقف خطاب الكراهية الذي تجاوز كل الحدود، والبدء بحوار وطنيّ شامل يضمّ كل المكوّنات السورية دون إقصاء ينتج عنه دستور جديد للبلاد، وبالتالي تكسب هذه الأنظمة شرعيّتها الحقيقية من الداخل وليس من الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى
RocketplayRocketplay casinoCasibom GirişJojobet GirişCasibom Giriş GüncelCasibom Giriş AdresiCandySpinzDafabet AppJeetwinRedbet SverigeViggoslotsCrazyBuzzer casinoCasibomJettbetKmsauto DownloadKmspico ActivatorSweet BonanzaCrazy TimeCrazy Time AppPlinko AppSugar rush
Toto Slot idrtoto akuntoto slot deposit pulsa tanpa potongan toto slot situs gacor toto slot situs toto slot gacor situs toto sontogel hantutogel sontogel gaib4d okewin paten188 okewin mayorbet kiostoto angker4d mayorqq situs toto slot gacor sbctoto toto slot rp888 https://toto228.com tribun62 MAXWIN288 SLOT HMSLOT99 slot deposit 1000 slot777 roma link login hoki99 SBCTOTO DAFTAR toto toto slot pulsa kientoto toto titi4d 8KUDA4D 8KUDA4D situs toto petir135 situs toto situs toto kientoto situs toto situs toto server Thailand slot maxwin juara288 toto slot toto slot naruto888 leon188 toto slot situs toto situs toto situs toto PEWE4D toto slot toto slot toto slot situs toto PEWE4D toto toto hoki99 login babe138 link alternatif slot gacor slot amavi5dallseasonsgardencenter.com.php toto togel sontogel toto slot toto slot toto slot toto slot sesetoto toto slot toto slot toto slot toto slot toto togel situs toto toto slot toto slot toto toto toto slot pajaktoto resmi pajak toto toto slot toto toto toto slot situs toto judi bola benteng786 bandar togel monk4d xyz388 xyz388 slot gacor thailand toto toto toto slot toto toto toto https://aulavirtualfad.intecap.edu.gt/ toto toto situs toto situs toto toto toto slot situs slot toto slot benteng786 toto macau slot gacor toto slot toto slot joker123 gaming toto slot toto togel hoki99 hoki99 traveltoto bwo99 pewe4d benteng786 slot gacor https://bto-ao.co.jp/scaleremover/ omega89 link login eropa99 toto Sex TOTO SLOT toto slot situs toto idr toto toto slot toto slot babeh188 wdbos slot gacor gacor toto togel toto togel toto togel toto togel toto slot situs toto situs toto situs toto toto slot situs slot gacor bandar togel toto togel batmantoto toto slot toto AMANAHTOTO togel sgp situs pajaktoto deposit 1000 BandarQQ toto slot gaib4d toto slot slot gacor slot mahjong toto slot bwo99luciechopart.com.php bwo99 slot sirkuit4d pajaktoto slot AMANAHTOTO rasa4d