تحليل قانونيّ وسياسيّ لبعض بنود اتفاق ١٠ آذار/ مارس ٢٠٢٥

تمهيد
تتّسم سوريا بتعدّد مكوّناتها القومية والدينية والثقافية، وهو تعدّدٌ متجذّرٌ في تاريخ هذا البلد الذي يُعدّ من أقدم مَواطن الحضارات الإنسانية. فمنذ أكثر من أربعة آلاف عام، شكّلت الأراضي التي تُعرَف اليوم بسوريا فضاءً تاريخياً مفتوحاً لتعاقب شعوبٍ وحضاراتٍ متعدّدة، أسّس بعضها دولاً وإمبراطوريات كبرى، ثم انصهرت أو زالت ككيانات قومية مستقلّة عبر مسار التاريخ الطويل.
ففي الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، قامت على هذه الأرض حضارات مثل الحثيين (حوالي 1600–1180 ق.م)، والميتانيّين (حوالي 1500–1300 ق.م)، والآشوريّين (حوالي 1400–612 ق.م)، إلى جانب أقوام أخرى ساهمت في بناء البنية السياسية والثقافية للمنطقة. ومع مرور الزمن، شهد الإقليم تفاعلاً مستمرّاً بين مجموعتَين لغويّتَين- حضاريّتَين رئيستَين:
الأولى: تنتمي إلى اللغات السامية، ومنها الآراميون والسريان، الذين شكّلت لغاتهم وثقافاتهم الأساس التاريخي الذي تطوّرت ضمنه العربية لاحقاً.
والثانية: تنتمي إلى اللغات الهندوأوروبية، ومن بينها الشعوب التي تُعدّ أسلافاً تاريخيّين للكرد، والذين كان لهم حضور قديم وموثّق في شمال وشرق سوريا.
وفي هذا السياق التاريخي، يمكن الإشارة إلى أقوام هندوأوروبية أسّست دولاً وإمبراطوريات أو لعبت أدواراً بارزة في المنطقة؛ مثل الكوتيّين (٢١٥٠-٢٠٥٠ق.م) والميتانيّين (١٥٥٠-١٣٥٠ق.م)، والحثّيّين (١٣٥٠-١١٨٠ق.م)، والميديّين (القرن الثامن–السادس ق.م)، والأخمينيّين (550–330 ق.م)، ثم المقدونيّين في عهد الإسكندر الأكبر وخلفائه (331–64 ق.م)، تلَتْهم الإمبراطورية الرومانية (64 ق.م–395م) ثم البيزنطية، إضافة إلى الفرثيّين (247 ق.م –224 م) والساسانيّين (224–651 م).
ومع بدايات القرن السابع الميلادي، دخلت الجيوش العربية الإسلامية المنطقة، فتكوّنت كيانات سياسية جديدة، أبرزها الدولة الأموية (661–750 م) والدولة العباسية (750–1258 م)، ثم تلتها مراحل حكمٍ متنوّع لم تكن فيه السلطة السياسية دائماً عربية، كما في عهود البويهيين الإيرانيين (945–1055 م)، والسلاجقة الأتراك (1037–1194 م)، والأيوبيين الكرد (1171–1250 م)، وصولاً إلى الدولة العثمانية (1516–1918 م) التي استمرّت حتى الحرب العالمية الأولى. وفي كل هذه المراحل كان لأسلاف الكرد والعرب ثم لهاتَين القوميّتَين الرئيسيتَين حضور بارز، خصوصاً من الناحية الديموغرافية في سوريا.
ومن المهمّ التأكيد، من منظور تاريخي-قانوني، على أنّ الأراضي السورية، خلال جميع هذه المراحل، لم تكن قائمة كدولة ذات سيادة بحدود جغرافية سياسية ومعترف بها، على النحو الذي تشكّل لاحقاً بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أُنشئت الدولة السورية الحديثة في ظل الانتداب الفرنسي.
لقد شكّل هذا التراكم الحضاري الطويل نموذجاً تاريخياً للتعايش الديني والثقافي والسياسي بين المكوّنات المختلفة. غير أنّ هذا النموذج بدأ يتصدّع في القرن العشرين مع صعود الأيديولوجيات القومية المغلقة، ولا سيّما تلك التي تجسّدت في أنظمة الحكم الشمولية، ومنها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي تبنّى سياسات مركزية أفضت إلى تهميش بعض المكوّنات وإنكار هوياتها الثقافية، وكان الشعب الكردي من بين المتضرّرين من هذه السياسات.
وبعد سقوط نظام الأسد 8/12/2024 وفي إطار السعي إلى تأسيس مرحلة جديدة تقوم على الشراكة الوطنية والاعتراف المتبادَل، عُقد لقاء رسميّ يوم الإثنين 10 آذار (مارس) 2025، جمع بين رئيس الجمهورية السورية المؤقّت السيد أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية السيد مظلوم عبدي، وقد أسفر اللقاء عن توقيع اتّفاق رسميّ من ثمانية بنود، يهدف إلى تنظيم العلاقات السياسية والإدارية والعسكرية، وترسيخ أسس التعاون بما يخدم وحدة سوريا واستقرارها ومستقبلها. من المفيد أن نذكر فيما يلي بنود هذا الاتفاق قبل أن نقوم بتوضيح محتواه ومصطلحاته من الناحية القانونية واللغوية والسياسية.
نصّ الاتفاق:
بناءً على اجتماع جرى بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي يوم الإثنين الموافق لـ ١٠ آذار (مارس) ٢٠٢٥، تم الاتفاق على ما يلي:
١- ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة، بناءً على الكفاءة، بغضّ النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.
٢- المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقّه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.
3- وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.
٤- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
5- ضمان عودة كافة المهجّرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من قبل الدولة السورية.
6- دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدّد أمنها ووحدتها.
7- رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بثّ الفتنة بين كافة مكوّنات المجتمع السوري.
٨- تسعى اللجان التنفيذية إلى تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.
أولاً؛ الإطار العام للاتفاق ومعناه السياسي:
إنّ النص الذي ورد في الاتفاق، ولا سيّما عبارة:
«المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقّه في المواطنة وكافة حقوقه.»
ليست عبارة توصيفيه أو أخلاقية فحسب، وإنّما هي إقرار قانوني–سياسي تترتّب عليه آثار مباشرة في:
– شكل الدولة.
-طبيعة الشرعية.
-آلية اتّخاذ القرار.
-مفهوم المواطنة.
-مشروعية الدستور والنظام السياسي.
ثانيًا؛ معنى عبارة «المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية.»
المعنى القانوني لمفهوم «مجتمع أصيل»
في الفقه الدستوري والسياسي «مجتمع أصيل» يعني المصطلح مكوّن تكويني في نشوء الدولة، وليس مكوّنًا طارئًا، أو مهاجرًا، أو أقلّية مُلحقة؛ وبالتالي فإنّ وجوده سابق على الدولة أو متزامن مع نشأتها، وحقوقه ليست مِنَحًا من السلطة بل هي حقوق أصلية، وهذا يضع المجتمع الكردي في مرتبة الشريك في الدولة، لا التابع لها، وتترتّب على ذلك عدّة نتائج:
النتيجة الأولى:
أ- انتفاء حق الفرض من أي مكوّن على الآخر.
ب-لا يجوز لأي مكوّن اجتماعي أو قومي آخر، مهما بلغت أغلبيته العددية، أن يفرض إرادته السياسية أو الهوياتية على المجتمع الكردي.
ت- الدليل القانوني.
مبدأ المساواة بين المكوّنات التأسيسية، ورفض طغيان الأغلبية أو استبداد الأغلبية.
. (Tyranny of the Majority)
وهذا المبدأ معترَف به في الفقه الدستوري المقارن، كدساتير الدول التعدّدية (كندا، بلجيكا، سويسرا).
النتيجة الثانية:
أ- عدم انطباق منطق الأكثرية والأقلّية.
إنّ توصيف المجتمع الكردي بأقلّية في القضايا المتعلّقة بهويته وحقوقه يفقد الشرعية القانونية لهذا التوصيف؛ لأنّ منطق الأكثرية/الأقلية يُطبّق في الدول الأحادية القومية ولا يُطبّق على المكوّنات الأصيلة، وبالتالي لا يُطبّق على القضايا المتعلّقة باللغة، والهوية، والثقافة والإدارة الذاتية.
ب- التمثيل السياسي: التمثيل لا يُحسم بالتصويت العددي، بل بالتوافق والشراكة بين المكوّنَين الأصليّين.
النتيجة الثالثة: الشراكة في الإرادة السيادية:
الشراكة تكون بالإرادة الحرّة في قرارات وسياسات الدولة، وهي تعبير عن مبدأ قانونيّ يُسمّى
السيادة المشتركة (Shared Sovereignty)
ومعناه أنّ الدولة لا تستمدّ شرعيتها من مكوّن واحد، وإنّما من إرادة جماعية للمكوّنات الأصيلة؛ أي أنّ الدولة السورية – كشخصية معنوية – لا تكون مكتملة الشرعية إذا ما غاب عنها أحد مكوّناتها التأسيسية.
ثالثًا؛ معنى «تضمن الدولة السورية حقّه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية»
أ- العلاقة بين الجملتَين الأصالة والمواطنة: الأصالة تسبق تنظيم المواطنة، ولا يمكن صياغة مفهوم المواطنة دون إشراك المكوّن الأصيل، وهذا يتّفق مع القاعدة الدستورية التي تقول: “لا مواطنة شرعية دون شراكة في تعريفها”.
ب- التزام الدولة وليس منّتها:
يعني التزامًا قانونيًا لا وعدًا سياسيًا ولا صلاحية تقديرية ضمن الدولة السورية، أي “أنّ الدولة مُلزَمة بضمان الحقوق وليس لها أن تعيد تعريفها منفردة”.
ت- شرعية مفهوم المواطنة:
إنّ شرعية صياغة مفهوم المواطنة لا تتحقّق إلّا بمشاركة وموافقة المجتمع الكردي؛ لأنّ المواطن ليس مجرد علاقة فرد – دولة، بل علاقة مجتمع – دولة في الدول التعدّدية، ومن دون هذه المشاركة تصبح المواطنة أداة دمج قسريّ لا إطارًا للعدالة والمساواة.
رابعًا؛ الدستور والشرعية الدستورية:
أي دستور لا يشارك في صياغته مكوّن أصيل، ولا يحظى بموافقته، هو دستور ناقص الشرعية؛ وذلك للأسباب التالية:
أ- الدستور عقد اجتماعي، والعقد لا يصحّ دون رضى أطرافه.
ب- البطلان السياسي والأخلاقي للدستور الإقصائي.
الدستور الإقصائي حتى ولو أُقِرّ بالتصويت، أو حظي باعتراف دوليّ شكليّ فإنّه يبقى ضعيف المشروعية، وقابلًا للطعن، وغير مستقرّ سياسيًا؛ وهذا ما أثبتته تجارب دول كثيرة مثل العراق قبل ٢٠٠٣، وسوريا قبل ٢٠١١، وسريلانكا وتركيا.
خامسا؛ تفسير دستوريّ ولغويّ لعبارة “الدمج ضمن إدارة الدولة السورية”:
إنّ النص التالي قد اختلط فهمه لدى بعض الجهات الحكومية فيما يتعلّق بالاعتراف بحقوق الشعب الكردي، ممّا أدى إلى تأويل غير دقيق وتعسّفي لعبارة “دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز”.
إذ فُسِّرت هذه العبارة على أنّها تعني الانصهار أو الذوبان لتلك المؤسسات التابعة للمكوّن الكردي، داخل مؤسسات الدولة السورية، وهو تفسير لا يستند إلى أساس لغويّ سليم، ولا إلى منطق قانوني صحيح..
من الناحية اللغوية، لا يعني مفهوم «الدمج» الإلغاء أو الذوبان أو فقدان الهوية المؤسسية، بل يدلّ على الجمع والتنظيم المشترك بين مكوّنات متعدّدة ضمن إطار واحد، مع احتفاظ كل مكوّن بخصوصيته وبنيته الإدارية والتنظيمية. فالدمج، بهذا المعنى الدقيق، لا يُنتج كياناً منصهراً واحداً، وإنّما يؤسّس إطاراً جامعاً يقوم على التنسيق والتكامل، لا على المحو أو الإلغاء، ويزداد هذا المعنى وضوحاً مع ورود عبارة «ضمن إدارة الدولة السورية» في النص نفسه، إذ إنّ كلمة «ضمن» تحمل دلالة قانونية وتنظيمية واضحة، تفيد بأنّ عملية الدمج تتم في إطار الإدارة العامة للدولة السورية، لا من خلال حلّ المؤسسات القائمة أو إذابة هياكلها، بل عبر إخضاعها لإطار سيادي وإداري عام، مع الإبقاء على خصوصياتها المؤسسية والعسكرية. كما نرى فيما بعد، فإنّ الجمع بين مصطلحَي «الدمج» و«ضمن إدارة الدولة السورية» ينفي بشكل صريح أي تفسير قائم على الانصهار أو الحلّ المؤسسي، ويؤكّد أنّ المقصود هو دمج تنظيمي تشاركي يحفظ الخصوصيات المؤسسية.
أولا؛ التحليل اللغوي لكلمة «دمج»:
المعنى اللغوي الصحيح لكلمة «دمج» في اللغة العربية.
فدمج الشيءَ في الشيء لا يعني الإصهار، بل هو إدخال شيء في شيء آخر مع بقاء تميّزه البنيوي أو الوظيفي، لا الإلغاء، لا الذوبان والاستيعاب القسري.
ثانياً؛ الدليل اللغوي:
دمج مؤسّستين أو أكثر لا يعني إلغاء إحداهما، بل إنشاء إطار مشترك مع احتفاظ كل منهما بهويتها القانونية. إذاً؛ الدمج لا يُنتج وحدة مطلقة، بل شراكة تنظيمية داخل إطار أوسع، ولا يعني إلغاء خصوصيتهما.
ثالثا؛ التحليل القانوني لعبارة «دمج»:
أيضا ولعدّة أسباب فإنّ تفسير كلمة دمج بمعنى الانصهار غير صحيح قانونياً:
- مخالف للمعنى اللغوي:
فهذا التفسير يستبدل لفظ دمج بلفظ إلغاء أو حلّ، وهو ما لم يرد لا نصّاً ولا دلالةً.
- مخالف لقواعد تفسير الاتفاقات:
وفق القواعد العامة في القانون، فإنّ العبرة بنص الاتفاق لا بنيّة طرف واحد – يُفسَّر
النصّ الغامض لمصلحة الطرف الأضعف، ولا يُفترض التنازل عن الحقوق إلّا بنصّ
صريح.
– لا يوجد في المادة أي ذكر لحلّ قسد، ولا لإلغاء الإدارة الذاتية أو لإنهاء الخصوصية الإدارية أو الأمنية.
رابعاً: التحليل الدستوري لعبارة “ضمن إدارة الدولة السورية”:
- مفهوم الدولة لا يعني المركزية المطلقة، لأنّ الدولة الحديثة قد تكون مركزية، أو لا مركزية، أو فدرالية أو كونفدرالية.
- لا تعني خضوعاً مركزياً مباشراً، بل تعني تمثيلاً دستورياً «ضمن إدارة الدولة السورية».
- المؤسسات المحلّية في شمال وشرق سوريا ليست كيانات غير شرعية؛ فهذه المؤسسات المدنية والعسكرية قد نشأت في ظروف الفراغ السيادي الناتج من القضاء على السلطة الاستبدادية لنظام الأسد بعد نزاع مسلّح استمر أكثر من عقد من الزمن، ولأنّها أدّت وظائف الدولة من الأمن، والقضاء والخدمات. وفق هذا المبدأ، فإنّ الجهة التي تقوم بوظيفة الدولة تكتسب صفة قانونية (الشرعية الواقعية).
خامساً: التحليل السياسي الواقعي للدمج:
المقصود من الدمج هو حلّ توافقي لا أداة للهيمنة؛ لأنّه لو كان المراد من كلمة «دمج» هو الإلغاء لما احتاج الأمر إلى اتفاق، ولما جرى التفاوض مع مظلوم عبدي بصفته ممثّلاً سياسياً للشعب الكري في شمال وشرق سوريا.
سادساً: منطق وأصول حلّ المشاكل بعد النزاع:
في حالات ما بعد النزاعات، الدمج يعني إعادة تنظيم السلطة، وتقاسم الصلاحيات، والاعتراف المتبادَل. وفي البلاد متعدّدة القوميات والمكوّنات الدينية والإثنية؛ الدمج لا يعني الانصهار أو الذوبان، بل يعني الاعتراف الدستوري لحقوقها، وفي حالة وجود قوميات مختلفة يتم الاعتراف بها في نظام فدرالي أو لامركزي موسّع.
سابعاً: المبادئ القانونية الداعمة لهذا التحليل القانوني واللغوي:
مبدأ عدم جواز التفسير الموسّع للنصوص المقيّدة للحقوق
مبدأ الشراكة في السلطة الانتقالية.
مبدأ حماية المكتسبات السياسية.
مبدأ التدرّج في توحيد المؤسسات.
مبدأ الرضى المتبادل كأساس لأيّ دمج مؤسسي.
وفي الختام، يمكن استخلاص الملاحظات التالية:
تشكّل الدولُ الموحّدة الحديثة، ولا سيّما في منطقة الشرق الأوسط، نماذجَ متكرّرة للدول الفاشلة. فلم تتمكّن أي دولة وحدوية في هذه المنطقة من ضمان الديمقراطية أو الازدهار أو الاستقرار بصورة مستدامة لمواطنيها، كما لم تنجح أيٌّ منها في معالجة مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية معالجةً فعّالة.
وتؤكّد ذلك أمثلةٌ بارزة، من بينها العراق في عهد حزب الحزب العربي الاشتراكي، وسوريا في ظل حكم عائلة الأسد، وليبيا، واليمن، وتركيا، إلى جانب العديد من الدول الأخرى في أفريقيا، وآسيا وفي أمريكا اللاتينية.
وفي المقابل، تتميّز الدولُ الفدرالية واللامركزية بدرجة عالية من الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، وبقدرة عظمى على إدارة التنوّع الداخلي، وبازدهارٍ أكثر استدامة. وتُبرز دولٌ مثل سويسرا وكندا وبلجيكا وإسبانيا وروسيا والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل ونيجيريا بوضوح قدرةَ الأنظمة الفدرالية أو شبه الفدرالية على استيعاب التعدّدية اللغوية والثقافية والإقليمية، والحدّ من النزاعات الداخلية، والتعامل بفعالية كبيرة مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تطرأ مع مرور الزمن.
وتُظهِر هذه الأمثلة أنّ الفدرالية لا تمثّل إطارًا مؤسّسيًا أكثر شمولًا للحكم فحسب، بل تُعدّ أيضًا عاملًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وضمان التنمية المستدامة في المجتمعات المتعدّدة.
د. موسى كاڤال- مدرس سابق في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية في باريس- فرنسا
29-12-2025



