تحليلات

الغرب في مواجهة روسيا

قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي كان العالم أمام حدث غيّر موازين القوى في الشرق الأوسط، ألا وهي حرب الخليج الثانية. حيث تحولت فيها منطقة الخليج إلى منطقة نفوذ أمريكية خالصة، بعد احتلال صدام حسين الكويت عام 1990 وتهديده للملكة العربية السعودية وعلى إثره تشكل تحالف دولي لحماية دول الخليج وإزاحة العراق كقوة إقليمية في المنطقة. وقد كان الموقف الأمريكي قبيل الاحتلال بأنه ليس لها رأي بشأن صراع عربي – عربي. حيث كان ذلك بمثابة فخ وضعته الولايات المتحدة للعراق لتتخلص منها كقوة إقليمية. هذا السيناريو يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في أوكرانيا، مع اختلاف كبير بين العراق كقوة إقليمية، وروسيا كقوة عالمية لها علاقات قوية مع الكثير من دول العالم.

 لا يخفى أن هناك صراعاً “حرب باردة” بين روسيا الطامحة بأن يكون لها دور في النظام العالمي وبين الغرب الرافض لإحداث أي تغيير في النظام العالمي “سياسة القطب الواحد”. بوتين الذي استغل الأزمات الدولية والإقليمية لخدمة مصالح روسيا ” سوريا، ليبيا، مصر، أرمينيا، كازاخستان، وتوقيع صفقات اقتصادية وعسكرية مع عدد من الدول كتركيا والهند والصين ودول الخليج”. قابله فشل الغرب في تلك الأزمات “الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والعراق وحتى الانسحاب الجزئي من سوريا” وتدهور العلاقات الأمريكية مع حلفائها وشركائها، كل هذا أعطى لبوتين دفعاً قوياً للقيام بعملية عسكرية على أوكرانيا خاصة بعد إعلان الحلف رفضه التدخل عسكرياً في أوكرانيا. ومع تزايد المخاوف الروسية من توسع حلف الناتو نحو الشرق ورغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الحلف، أعلن بوتين الحرب على أوكرانيا. ومع إعلان الحرب بدأت العقوبات الغربية على موسكو مع تباين المواقف من العقوبات بسبب مصالحها الاقتصادية مع موسكو، إلا أن تسليط الضوء على مخاطر اجتياح روسي محتمل على شرق أوروبا ” دول حلف الناتو”، وتهويل الحرب الروسية الأوكرانية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، وإن البديل لفرض العقوبات على موسكو هو المخاطرة ببدء حرب عالمية ثالثة. جعلت الكثير من الدول تنضم للعقوبات المفروضة على روسيا، وازدادت معها حدّة العقوبات، وبدأ الغرب كتلة شبه موحدة ضد روسيا، وبدأت قوات الناتو وبالأخص الولايات المتحدة تتزايد في أوروبا الشرقية بحجة حماية حلفائها من اجتياح روسي. وهو ما حدث مع دول الخليج العربي عندما طلبت الحماية من الولايات المتحدة وتشكيل تحالف دولي، وعلى أثرها ازداد حجم القوات الأمريكية وقواعدها في الخليج.

هذه العقوبات الضخمة وهذا التماسك من قبل الغرب لم يتوقعه بوتين، وهذا ما جعل موسكو في مأزق كبير، ما دفع روسيا إلى وضع “قوة الردع” في الجيش الروسي في حالة التأهب، وهي قوة تشمل عنصرا نووياً، متهمةً الغرب باتخاذ مواقف “عدوانية” تجاهها. فالعقوبات الغربية على روسيا ليس فقط لأن روسيا شنت حرباً على أوكرانيا وإنما في بروزها كقوة عالمية، من تنامي قوتها العسكرية، وامتلاكها نفوذاً كبيراً في السوق العالمي وتأثيرات ذلك على أوربا. وبالتالي فإن أوكرانيا كانت بمثابة فخ أجبرت روسيا على الوقوع فيها، لتحييدها كمنافس للغرب “الولايات المتحدة” على الساحة الدولية. وحتى تتمكن روسيا الخروج من هذا المأزق فإن ذلك يتوقف على مدى قدرتها على تحمل الضغوط “العقوبات” الغربية ومنع زيادة تأثيرها على الداخل الروسي، وقدرتها في التأثير المباشر على اقتصاديات الدول الغربية وبالأخص في مجال الطاقة التي ستنعكس على مجمل القطاعات الأخرى. ولا يتعلق هذا الأمر بالجانب الروسي فقط بل بحلفائها واصدقائها ومدى وقوفهم إلى جانبها كـ”الصين وكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران وحتى تركيا” في حال قامت روسيا بفرض عقوبات على الغرب، فروسيا حذرت الغرب 9/3/2023 من أنها تعكف على تجهيز رد واسع النطاق على العقوبات سيكون سريعا ومؤثرا وينال من معظم القطاعات المهمة. ولأن الولايات المتحدة تخشى من ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساتها السلبية على مواقف حلفائها من العقوبات المفروضة على روسيا، لذا وكخطوة استباقية تحاول تحييد حلفاء وأصدقاء روسيا بحيث تنجح في عزل روسيا دولياً وزيادة تأثير العقوبات عليها ” فزيارة وفد من الولايات المتحدة إلى فنزويلا، والإعلان عن اقتراب الوصول إلى اتفاق نووي مع إيران ومطالبة الغرب للصين بتحديد موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية حتى لا تطالها العقوبات الغربية” يدخل ضمن هذا السياق.

فالمنتصر في هذه الحرب من يستطيع الصمود في وجه الضغوطات الاقتصادية ومن سيسقط أولاً هو الخاسر قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. لذا لا يتعلق الأمر بالحرب بمفهومها العسكري بل بمفهومها الاقتصادي، لأن أمد الحرب الروسية الأوكرانية ستطول، لعدم رغبة الطرفين حتى الآن في إيجاد الحلول، بل أن الدعم الغربي العسكري لأوكرانيا سيزداد مع مرور الوقت. حتى وأن حدث لقاء بين بوتين وزيلنسكي وحصل اختراق في المفوضات، لا يكفي ما لم يتم رفع العقوبات عن روسيا. وعلى ما يبدو فالعقوبات الغربية ستستمر وقد تتسع نطاق المواجهات في حال تم تحييد حلفاء روسيا، وقد تصل شرارتها إلى سوريا عندما يطلب الغرب من تركيا تحديد موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية والوقوف إلى جانبها ضد روسيا في تمكين العقوبات على روسيا، وهي ما تخشاه تركيا لأنها ستكون مضطرة للوقوف إلى جانب الغرب. حينها لن تقف روسيا مكتوفة الأيدي وقد تقوم بعملية عسكرية كبيرة في إدلب كرد على الموقف التركي وستتجاهل التحذيرات الأمريكية بشأن إدلب. هنا ستكون تركيا العضو في حلف الناتو أمام الآلة العسكرية الروسية، لوجود قواعدها في إدلب. وسيكون الموقف الغربي مشابه لما يحدث في أوكرانيا وهو عدم الانخراط في الحرب وسيكتفي بدعم تركيا عسكرياً لمواجهة روسيا، بحجة الخشية من اندلاع حرب عالمية ثالثة. وبالتالي سيكون العالم أمام حرب عالمية ثالثة بالوكالة وهو ما أكده القائد والمفكر عبد الله أوجلان في معرض تقييمه لما يجري في الشرق الأوسط من حروب طاحنة: “ثمة حقيقة واقعة تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد حرباً عالمية ثالثة على نحو خاص بها. لكن هذه الحرب تتميز بخاصيات مختلفة عن الأبعاد العسكرية والسياسية الكلاسيكية”.

زر الذهاب إلى الأعلى