الهجمات البربرية على الأحياء الكردية
عبد الرزاق علي

الهجمات البربرية على الأحياء الكردية
أسبابها، أهدافها، تداعياتها، والسيناريوهات المحتملة
لم يعدْ خافياً على أحد أنّ الهجمات الوحشية على الأحياء الكردية ليست وليدة اللحظة، إنّما تعود جذورها إلى الأيام الأولى من الثورة السورية؛ فقد عانت هذه الأحياء الجوع والحرمان والحصار في ظل النظام البائد، وكذلك في عهد النظام الحالي. هذه الاعتداءات كانت تخبو تارةً وتشتعل تارة أخرى بالرغم من اتفاقية الأول من نيسان الموقّعة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقّتة، لكن هذه المرة دقّ جرس الإنذار من تركيا بتنفيذ ما هو مطلوب، لتقوم فصائلها المنضوية تحت عباءتها (الحمزات والعمشات والسلطان مراد ونورالدين الزنكي)، وذلك بالتزامن مع اللقاء السوري الإسرائيلي في باريس، باستهداف الأحياء السكنية المكتظّة بالناس بالأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة بشكل عشوائي، دون تفريق ما بين الأطفال والنساء والمسنّين، وإفراغ الحيَّين من الكرد. ويحدث هذا على مرأى ومسمع العالم أجمع؛ وهذا إن دلَّ على شيء فإنّما يدلّ على ازدواجية المعايير التي تتعامل بها الهيئات الدولية والمنظمات الحقوقية ومجلس الأمن مع قضايا من هذا النوع، حيث اكتفت بالتنديد. ويكمن وراء ما يجري صفقات واتفاقيات وتوزيع أدوار وتحقيق مصالح على حساب دم الأبرياء من الكرد.
ولتوضيح الموقف أكثر لا بدّ من تسليط الضوء على أسباب هذه الحملة الشعواء والهجمة الشرسة من قبل ما يسمّى بالجيش السوري ومرتزقة تركيا:
١- إشعال الحرب الأهلية في سوريا، وهي مصلحة تركية.
٢- فرض هيمنة هذه الفصائل على سوريا لتحقيق مصالحها وأطماع أسيادها.
٣- إجهاض مشروع الإدارة الذاتية بكل الوسائل المتاحة.
٤- التملّص من استحقاقات اتفاقية العاشر من آذار.
٥- تنفيذ الأجندات التركية وإملاءاتها.
٦- التشبّث بالمركزية المقيتة.
فعلى ضوء ما يجري في الأحياء الكردية يبدو أنّه انعكاس لما جرى في باريس بين سوريا وإسرائيل، وبوساطة أمريكية، للتغطية على توقيع صكّ التنازل لإسرائيل، ولإلهاء الناس عن ذلك من جهة، وللتستّر على الصراع الداخلي داخل السلطة الانتقالية والمنقسمة تركياً (الشيباني ومرهف أبو قصرة) وأمريكياً (أحمد الشرع وأنس خطاب).
إِذاً، فالجغرافية السورية باتت مسرحاً للتنافس التركي عبر فصائلها، مقابل النفوذ الأمريكي الإسرائيلي .
كمحصلة، لجأت تركيا الى الخطوة الاستباقية للضغط على الشيخ مقصود والأشرفية، كمحاولة لخلط الأوراق بغية تحقيق إنجاز أمني لتفعيل دورها في التفاوض، وتقسيم مناطق النفوذ جنوباً تحت الهيمنة الإسرائيلية وشرقاً تحت قيادة التحالف وقوات سوريا الديموقراطية، وشمالاً بما فيها حلب تحت السيطرة التركية وفصائلها المتطرّفة.
ببساطة شديدة، هذه هي الخريطة التي تمثّل سوريا في الوقت الراهن.
أمّا أهداف هذه الهجمة فهي كثيرة، وأبرزها:
أولاً: الهدف الرئيسي هو التغطية على التنازلات التي قدّمها الرئيس المؤقّت أحمد الشرع لإسرائيل.
ثانياً: كسر إرادة الشعب الكردي التي لا تلين، والنيل من قوة وهيبة قوات سوريا الديموقراطية من الخاصرة الرخوة والتي خلت تماماً من قوات سوريا الديموقراطية بموجب اتفاقية الأول من نيسان.
ثالثاً: التغيير الديموغرافي من خلال المجازر والجرائم والتطهير العرقي والتهجير القسري.
رابعاً وأخيراً: ضمّ حلب بإزالة الشوكة (الأساييش) من حلقها.
هذه هي الأهداف المشتركة ما بين الحكومة المؤقّتة وتركيا في مواجهة الكرد. فالهجمة الدائرة ظاهرها سوريّ لكنّها بنكهة تركية في المضمون، وهدفها القضاء على وجود الكرد ضمن أحيائهم الخاصة بهم وتشتيتهم، لكن هيهات ذلك، لأنّ الظروف الإقليمية والدولية قد تغيّرت تماماً، وأصبحت القضية الكردية محورية في الشرق الأوسط الجديد.
وبالتالي فإنّ لهذه الاعتداءات تداعيات كبيرة، وهي:
– على الصعيد الداخلي: هذه الهجمة وحّدت المكوّنات وصهرتها في بوتقة واحدة، وهي المواجهة وعدم الاستسلام لهذه العصابة الشريرة والمرهونة لتركيا، هذا أولاً، وفقدان الثقة بهذه السلطة التي هاجمت المكوّنات، واحداً تلو الآخر، وهذا ثانياً، ثالثاً وأخيراً أحدثت شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، ومزّقت اللحمة الوطنية بين كافة أطياف المجتمع السوري.
-على الصعيد الإقليمي: فسحت المجال بشكل أكبر للتدخّل الإسرائيلي في الشأن الداخلي السوري.
وأبرمت اتفاقات أمنية للتنازل عن الاراضي السورية ووفّرت الذرائع المختلفة، منها العزف على الأوتار الطائفية وحقوق الأقليات طالما حاربتهم هذه السلطة وارتكبت بحقهم أبشع الجرائم وأفظعها …
– أمٌا على الصعيد الدولي: فقد لاقت هذه الهجمة تنديداً واستهجاناً من قبل الدول الأوربية لكنّها لم ترق إلى مستوى الحدث.
أمّا الموقف الأمريكي فقد كان غامضاً، حيث رحّب مبعوثها بالهدنة وطالب بضبط النفس والعودة للحوار، وهذه المواقف جملة وتفصيلاً تقودني الى طرح السيناريو المستقبلي لما يحدث:
تمرّ المنطقة حالياً بمرحلة مفصلية حسّاسة، وهي تغلي على صفيح ساخن وتقف على مفترق طرق يتلخّص في مسارَين:
* إمّا وقف دائم لإطلاق النار والدخول في حوار جاد، وتفعيل اتفاق الأول من نيسان والعاشر من آذار.
أو الذهاب إلى معارك طاحنة ومواجهات دامية لا تخدم البلاد.



