تحليلات

السلام الصّعب بين أنقرة ودمشق

تقدمة

ربّما من المفيد بدايةً عرضُ ملخّصٍ للمخرجات الرئيسية – بحسب عدّة مصادر إخبارية ووكالات أنباء- للاجتماع المؤخّر الذي تمّ في موسكو، وجمعَ وزراء دفاع الدول الثلاث (تركيا- سوريا- وروسيا).

ويمكننا تلخيصُ أهمّ هذه المخرجات في النقاط التالية:

آ- اتّفاقُ الوزراء على تشكيل مجموعة لجانٍ مشتركة، تضمّ أفراداً من مسؤولي الدفاع والاستخبارات، للبدء في أعمالها في موسكو، وتتابعُ اجتماعاتها في أنقرة ودمشق.

ب- اتّفاقُ الوزراء الثلاث على آليةٍ مشتركة، لتمكين وتسهيل عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى سوريا.

ج- وضعُ الوزراء الثلاث تصوّراً مشتركًا للقضاء على قوات سوريا الديمقراطية.

د- الالتزام من قبل تركيا باحترام سيادة الحدود السورية، والموافقة على الانسحاب التدريجي من الأراضي التي تحتلّها في سوريا.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا المسار التصالحي ما بين أنقرة ودمشق كان قد بدأ قبل أكثر من ستّ سنواتٍ تقريباً، على أثر اللقاء الذي تمّ ما بين الرئيس التركي والروسي في سانت بطرسبرغ، وكان من نتائجه احتلال جرابلس وإخلاء حلب عام 2016 ثم احتلال الباب في 2017 وبعدها احتلال مدينة عفرين في 2018 وإخلاء الغوطة وريف دمشق من المسلحين، وأخيرًا احتلال رأس العين وتل أبيض في 2019

 

روسيا ودورها في رعاية هذا المسار

تريد روسيا- بعد استبعاد الحلّ العسكري وفشل العملية العسكرية الجديدة على الشمال السوري- إعطاءَ الرئيس أردوغان دعمًا انتخابيًا، وذلك عبر منجزٍ سياسي. فتركيا هي السبيلُ الأفضل والأقوى لديها للالتفاف على العقوبات الأوروبية ضدّها، بعد حرب أوكرانيا، ولذا فهي حريصةٌ على إبقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة، وتقديم الدعم اللازم له، عبر رعاية عملية التصالح مع النظام السوري؛ لا سيّما بعد أن أصبحت تركيا معبرًا مهمًّا لتصدير الحبوب من روسيا إلى دول العالم، ومركزًا لتكرير النفط الروسي وتصدير الغاز أيضًا.

روسيا إذًا أمام اختبارٍ حقيقي، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية التركية، وتعمل جاهدةً على دعم الرئيس التركي على حساب المعارضة التي تسعى إلى إعادة علاقات تركيا مع حلف الناتو والولايات المتّحدة الأمريكية.

 

مسألة التوقيت وأهمّيته

حتماً إنّ لموعد اقتراب الانتخابات الرئاسية في تركيا ارتباطًا وثيقًا بهذا المسار، إذ يريد أردوغان كسبَ رضى الداخل التركي، متأمّلًا الفوز بجولة الانتخابات القادمة بأيّ ثمنٍ كان.

ما يخطّط له الرئيس التركي حالياً- مع اقتراب موعد الانتخابات- أن يُظهرَ للداخل التركي أنّه يريد وضعَ حلولٍ نهائية للمشاكل في تركيا، منها مسألة اللاجئين السوريين، وتحسين العلاقات مع دول الجوار ومن بينها سوريا، والحفاظ على أمن تركيا القوميّ، من خلال التنسيق مع النظام السوري للقضاء على الخطر الكبير الذي يحدّق بتركيا، وهو الوجود الكردي على حدودها.

اليوم، ومع اقتراب المعركة الانتخابية ثمّةَ قضايا شائكة تلقي بثقلها على المشهد السياسي التركي، وفي مقدّمتها مسألة السياسة الخارجية والعلاقة مع سوريا، لذا نرى الإعلامَ التركي مستنفرًا للترويج لفكرة أنّ أردوغان هو صمّامُ الأمان لحماية الأمن القومي التركي، وعدم فوزه بولاية جديدة سيكون معناه خسارة تركيا وعودة الإرهاب وانتشار الفوضى. لذا يحاولُ أردوغان استباق الأحداث وصنع حدثٍ كبير يخوض به النزال الانتخابي، وحتماً لن يوفّر أية وسيلة في معركته الأخيرة.

 

النوايا التركية ومدى الوثوق بها

حتماً يمكننا القول إنّه ليس من الممكن وضع أوراق حلّ الأزمة السورية على طاولةٍ دون وجودٍ لتركيا أو دورٍ فاعلٍ لها، على اعتبارها أحد أبرز عوامل الاستعصاء، غير أنّه كلّ جهود ومساعي تركيا وحتى هذه اللحظة لا تسيرُ أبداً في مجرى الحلّ. جلّ ما تريده تركيا هو التوصّل إلى صيغٍ سياسية لإنهاء القضايا عبر تفاهماتٍ أمنية. إنّها تغيّرُ في أساليبها وتكتيكاتها فقط للوصول إلى الأهداف السابقة نفسها، وتطالبُ دوماً بمسارٍ تصالحيّ أمني يدور في فلك أمنها القومي وإعادة صياغة اتفاقية أضنة 1998

وربما هذا الخيط هو ما سهّل الجمع بينها وبين النظام السوري، فكلاهما يميلان إلى هذا التصوّر القائم على الحلّ الأمني والذي من الممكن حلّه بتحالفٍ يفضي إلى خنق قوات سوريا الديمقراطية، والمقايضة على مصير المناطق المحتلّة والمعارضة السياسية والعسكرية.

وضمن هذا التخيّل في الحلّ تبقى العديد من القضايا مطروحةً، دون الخوض في تفاصيلها المعقّدة: مصير المعارضة والائتلاف السوري/ التفاهمات حول الميليشيات المسلّحة/ الانسحاب التركي من المناطق المحتلة، وثمةَ صعوبات عديدة تقف حائلاً دون الوصول إلى تصالحٍ جدّيّ: فالنظام السوري يطالبُ تركيا بتسليم قادة الفصائل المسلّحة لدمشق، وهو أمرٌ يصعبُ حاليًا على تركيا تنفيذه. كما يطالبها بالتخلّي عن مناطق سيطرتها والانسحاب من الأراضي التي احتلّتها. إضافةً إلى صعوبة التحالف سويةً لمحاربة قوات سوريا الديمقراطية، في ظلّ تواجد قوات التحالف الدولي والقواعد الأمريكية في منطقتها.

 

سوريا واحتمالاتها الواردة

يعرفُ النظامُ السوري- بحكم تجربته التاريخية مع تركيا- أنّ أنقرةَ مستعجلةٌ في إنجاز العديد من الخطوات في وقتٍ قياسي من أجل الانتخابات الرئاسية القادمة، كما يعرف أنّ المسار التصالحي سيتوقّف حال فوز حزب العدالة والتنمية في الجولة الانتخابية المقبلة. ويمكن في هذا الصدد توقّع احتمالين: الأول أنّ النظام السوري لن يقدم على أيّة خطوة إيجابية في هذا الإطار حتى تنتهي الانتخابات ويتبيّن له الفائز، علمًا أنّها ضمنيًا تتطلّع لفوز معارضي أردوغان. والثاني أنّها قد تسرع فيما سيتمّ الاتّفاق عليه قبل موعد الانتخابات التركية، لتثبيت أيّ نصرٍ على الأرض، فهي طامعةٌ في بعض المكتسبات الرمزية كإعادة سيطرتها على بعض المناطق التي قد تنسحب منها تركيا، وترفع العلمَ السوري على بعض النقاط الحدودية، وتعتبر ذلك نصرًا دبلوماسيًا لها. كذلك يتطلّع النظامُ السوري إلى منجزٍ عسكري على حساب الميليشيات المسلّحة التي أسمت نفسها بالمعارضة، بعد أن تصبح ضحية هذا التنسيق التصالحي؛ لذا ليس من المُستبعد أن تشهد الشهور القادمة المزيد من التنسيق التركي- السوري فيما يخصّ مواقع الانتشار.

 

ختاماً

يمكننا أن نسمّي اللقاء الأخير بين النظامين التركي والسوري بالتفاهمات الأمنية الأوّلية لا أكثر، ولا نظنّ أنّ اتفاقًا ما بينهما سيتمّ بتلك السهولة والبساطة التي يتوقّعها بعضُ المحلّلين والمتابعين، فالنقاطُ الخلافيةُ أكثر بكثيرٍ من القواسم المشتركة بينهما، والقضايا العالقة والمتراكمة منذ أكثر من عقدٍ لا يمكن حلّها من خلال تشكيل لجانٍ أو عقد اجتماعات متفرّقة.

إنّ الرغبةَ الجدّية في الوصول إلى حلِّ حقيقي للقضايا في سوريا، تتطلّبُ جهودًا عديدة ومتروّية على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا الاقتصار على الاتّفاقات الأمنية الآنية.

زر الذهاب إلى الأعلى