تحليلات

اللقاء الثلاثي في طهران

اللقاء الثلاثي في طهران

 

أعلن الكرملين عن زيارة بوتين لطهران في/ 19   /تموز الفائت، وبالفعل تمت الزيارة حسب الموعد المحدد وقد التقى مع أردوغان، وشكلوا مع إبراهيم رئيسي في طهران لقاء ثلاثيا لضامني مسار الاستانة، وعلى هامش الاجتماع تم عقد لقاءات ثنائية بين بوتين وأردوغان وأردوغان ورئيسي وبوتين في ثنائية أخرى. وتصدر الملف السوري المشهد والجزء الأكبر من النقاش. وبذلك يشهد الثلث الثاني من تموز عنوان عريض مفاده” بايدن في السعودية وبوتين في إيران” وقد تبدو في هذه الحالة مواجهة على الضفتين، وللمرة الأولى منذ زمن يكون للدول الإقليمية صوت ربما يكون موازيا لصوت القوى العظمى في هذه المواجهة.

وبالمرور على زيارة بايدن الشرق أوسطية التي تهيئ الأرضية لإنشاء تحالف معين أو ضمان تبعية الحلفاء السابقين، رغم أن السعودية أظهرت مماطلة في تلبية ما جاء به بايدن على أمل انتهاء ولايته قبل إعطاء أي التزامات طويلة الأمد كونها تفضل التعامل مع الجمهوريين والسبب الرئيسي تقرب الرؤساء الديمقراطيين الدائم من إيران الذي تعارضه المملكة السعودية، وبذات السياق الولايات المتحدة تبذل ما في وسعها لإعطاء التطمينات لنفسها ولحلفائها بالحد من أو تحجيم النفوذ الروسي والإيراني وحتى التركي في الشرق الأوسط في ظل التغيرات الدولية، وخاصة أن اللجوء إلى عسكرة القضايا أصبح أكثر وروداً من قبل، وما قد ألقى بظلاله على القمة الثلاثية في طهران من زيارة بايدن هو” إعلان القدس” الموقع بين الولايات المتحدة الامريكية و إسرائيل والمتضمن لأعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلديين ومن أبرز بنوده ” التزام أمريكي بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي واستخدام القوة لضمان ذلك”، هذا ما قد يفتح الباب أمام روسيا وايران لتوقيع اتفاقية الدفاع المشتركة الساعية اليها إيران وهذا يمثل أحد أهدافها وأيضا شراء صواريخ ” S400 ” من روسيا، ليكون هذا أحد مواضيع اللقاء الثنائي بين بوتين ورئيسي، علما أن قمة طهران ليست عقد تحالف بين الدول الثلاثة في مواجهة جولة بايدن لأن تركيا ليست ضمن النهج الإيراني والروسي المضاد للغرب وانما تتشارك معهما بأنها توسعية وراغبة في بسط نفوذها قدر المستطاع. إذاً القمة الثلاثية كانت للنقاش بحسب ما تفرضه مصالح الدول الثلاثة وخاصة على صعيد الملف السوري، وقد يكون لقاء بوتين ورئيسي يحمل في طياته بوادر لتحالف يعلن لاحقا.

من الجانب التركي وفقا لإعلان المسؤولين الأتراك أنهم انتهوا من التحضيرات العسكرية واللوجستية للبدء بعدوان جديد على شمال سوريا ولكن المؤكد والذي يتسبب بالمناورة التركية أنهم لم يحصلوا على المؤشرات السياسية من القوى الفاعلة، ولذلك يربط المراقبون اللقاء الروسي التركي والإيراني التركي بالعملية العسكرية حيث تسعى تركيا للخروج بتفاهمات مع الأطراف المذكورة وإن لم يكن ضوء أخضر قد تكون مكاسب أخرى كاملة أو جزئية من الأهداف التي ترمي إليها تركيا، ويتفق الأطراف الثلاثة على الرغبة في فرض المزيد من الضغط على الإدارة الذاتية وقوات سوريا ديمقراطية التي أصبحت قوى فاعلة في الأزمة السورية يرغب في كسبها كل من روسيا وأمريكا، ومازالت القيادة السياسية والعسكرية لقسد تعمل بدبلوماسية فاجئت الجميع بمرونتها وإصرارها بالحفاظ على مكتسباتها وحماية مجتمعات المنطقة، وتصعيد يواكب اللهجة التي تستخدمها القوى الأخرى.

أما في الجانب الروسي والذي يشكل حربها في أوكرانيا الشاغل الرئيسي لها، حاولت حصر كل نقاشاتها لبلورة تفاهمات مع تركيا حول تأمين الطريق التجاري، كما أنها تستخدم ورقة الملف السوري للضغط على تركيا لتحقيق ما تريده في أوكرانيا، وبذات السياق لا تخفي روسيا عدم رضاها على موافقة تركيا لانضمام السويد وفنلندا الى حلف الناتو، وترجمة ذلك بعدة ضربات في إدلب وجبل الزاوية وضربات أخرى لنقاط المرتزقة في ريف راس العين الشرقي. ورغم كل التقارب المُعلن في المؤتمرات الصحفية لكن في الكواليس وخلف الأبواب المؤصدة لا يحدث ذات الحوار الذي تفرضها قواعد الدبلوماسية امام الاعلام وانما نقاشات ولهجة أكثر حدة هذا ما سبق أن ذكره مسؤولين سياسيين سابقين في مذكراتهم، لذلك يتوجب التعمق أكثر في التحليل وعدم البناء على ما يتم تقديمه للصحافة إنما الترجمة على الأرض هي الأصدق، هذا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام كل الاحتمالات من نتائج هذا اللقاء في وضع حجر تهدئة أو الانتقال إلى التصعيد السياسي والعسكري بين تركيا من جهة وروسيا وإيران من جهة.

أما إيران فقد احتاجت للقاء كهذا بدرجة أكبر من نظيراتها، وذلك على الأقل للرد على جولة بايدن الإسرائيلية الخليجية الوليدة لإعلان القدس، وأيضا إرسال الرسائل بأنها قادرة على الانضمام إلى حلف يضمن لها المواجهة، وهو المحور الذي يضم روسيا وإلى جانبها الصين والهند وكوريا الشمالية، كل هذه القوى تحمل مؤشر واحد وهو الانتقال إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، من جهة أخرى تسعى إيران الى محاولة بناء قنوات تقارب بين النظام السوري وتركيا

بطبيعة الحال لم يحمل المؤتمر الصحفي الختامي للقمة الثلاثية اتفاقيات او تفاهمات تُعلن، إنما المرجح أن تبقى التفاهمات خلف الأبواب أو إن تكون بذور لاتفاقيات تنمو في فترة زمنية قادمة توضح ملامحها الخارطة العسكرية التي تلي هذه القمة.

المؤشرات الأولى من نتائج هذا اللقاء هو إصرار ايران وروسيا على رفض منح الضوء الأخضر وقد يكون هذا الرفض، بالطريقة الدبلوماسية التي ترضي تركيا وهي الاشتراك بعدة أهداف أهمها المزيد من الضغط على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية لتسليم جميع المدن المستهدفة للنظام السوري وبخط موازي الضغط لتوقيع اتفاقيات تقدم من خلالها قوات سوريا الديمقراطية تنازلات في مناطق أخرى وتستخدم في ضغطها التهديدات التركية، وهذا ما يوضح نوع من التنسيق الاستخباراتي على أقل تقدير بين روسيا وايران والنظام السوري وتركيا، ومن جهة أخرى تركيا لازالت تعتمد التصعيد من حين إلى آخر وقد شهدت خطوط التماس قصفا مكثفا يعد الأعنف منذ التهدئة حيث ذهب ضحيته ذلك مدنيين وتدمير منازل، مما يلمح أن تركيا لم تلغ القيام بعدوان جديد في أي لحظة ولكن يبدو أنها أخذت بعض الوعود من روسيا وإيران لتهيئة ظروف تتناسب مع حصولها على مكاسب بدون عدوان عسكري أو على الأقل نشر قوات للجيش السوري وتسليم المنطقة للنظام السوري هذا الذي بدا أنه مرضي لتركيا لتأجل عدوانها ولكن لا يمكن أن يكون مرضيا لقوات سوريا الديمقراطية حين يتعلق الأمر بالمساس بمكتسبات الثورة وتضحيات الشهداء وكل من تلك الجهات تعرف مدى حساسية هذا الموقف وتمسك قوات سوريا الديمقراطية فيه ولكن على ما يبدو أن روسيا وإيران متفقتان على المناورة السياسية للمحافظة على الخارطة العسكرية مستقرة على ماهي عليه حاليا خاصة في ظل انشغال كل منهما في حرب خاصة بها.

الملفت أيضا أن روسيا وإيران استطاعتا اقناع أردوغان بأنه من المهم ادلاء بتصريحات مناهضة لتواجد القوات الامريكية في شرق الفرات الذي يكشف تشارك كل من روسيا وإيران وتركيا لتعبئة الفراغ الذي يطمحون لحدوثه بانسحاب الولايات الامريكية ليكون ساحة توسيع نفوذ، وهذا التصريح كان مفاجئ نوعا ما كونه من المفترض أن تكون تركيا أقرب للولايات المتحدة الأمريكية من روسيا وإيران لتواجد الجهتين بحلف الناتو ولكن كل ما سبق يوضح العجز السياسي لأردوغان وتوريط نفسه في الإعلان عن عمل عسكري غير مرضي للجميع وتضارب المصالح بين جميع الجهات في ظل ذلك كله يتضح أن مجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية كجهة تمثل الشعب في شمال وشرق سوريا سياسيا وعسكريا حجزت مكانه سياسية وعسكرية في خضم الأزمة السورية كقوة وطنية.

الولايات المتحدة بالتأكيد ستقوم بمناورة ما لإعادة تركيا الى تيارها بعد لقاء طهران والتصريحات الأخيرة، كما أن زيادة التصعيد العسكري وارد جداً في شتى نقاط التماس ويظهر ذلك جلياً في العمليات العدوانية التي ترتكبها الدولة التركية بحق المدنيين والقيادات السياسية والعسكرية لشمال وشرق سوريا.

 

زر الذهاب إلى الأعلى