الكرد ما بين مشروع الحرية وورقة ضغط من أجل التفاوض!!

كرديار دريعي

“ليس للكرد أصدقاء سوى الجبال” هذه العبارة راسخةٌ في أذهان الكرد، يتناقلها جيلٌ بعد جيل؛ فقضايا الصداقة والتضامن في سياسات الدول تُبنى على أساس المصالح، لا على أساس الأخلاق والقيم الإنسانية والاحترام المتبادَل، وفي تاريخ الشرق الأوسط، لم يُنظَر إلى القضية الكردية إلّا من بوّابة المصالح؛ فخلال اتفاقية سيفر عام ١٩٢٠ طُرح مشروعٌ لإقامة دولة كردية، لكن رُفضت تلك الدولة وقُسّمت كردستان بين أربع دول بموجب اتفاقية لوزان عام ١٩٢٣. حظيت الثورات الكردية بدعمٍ متكرّرٍ من الدول، إلّا أنّ هذا الدعم قد توقّف في سياق استخدام القضية الكردية كورقة ضغطٍ ومساومة؛ حيث استخدمتها بريطانيا ضد العراق وتركيا، وفرنسا ضد تركيا وسوريا، وروسيا ضد إيران وتركيا؛ وبتحقيق مصالحها أو تغيير أولوياتها، انقطع الدعم ودفع الكرد الثمن؛ ولهذا السبب قال الكرد: “ليس للكرد أصدقاء سوى الجبال”. فما هي أسباب هذه المأساة؟ كيف سيحلّ الكرد معضلة ما إذا كانوا سيصبحون مشروعاً للحرية أم سيظلّون مجرّد أداة وورقة مساومة؟

تكرار مأساة التخلّي عن الكرد وهزيمتهم

التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنّه يكرّر الدروس لأولئك الذين لا يفهمون دروس التاريخ ولا يتّخذون العبر منها، والكرد منهم؛ فهل تساءل الكرد يومًا: لِمَ تتكرّر مسألة دعم ثوراتهم ثمّ يتمّ التخلّي عنها؟! لِمَ يمرّون بالتجربة نفسها ويخرجون منها مهزومين؟! أو لماذا لا تخرج القضية الكردية من دائرة كونها أداة وورقة ضغط؟!

وفي هذا السياق هناك أسباب جوهرية؛ بعضها داخليّ وبعضها خارجي:

الأسباب خارجية: القوى الدولية كالولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، مهما تحدّثت عن القضية الكردية، فإنّ ذلك يبقى دائماً ضمن إطار مصالح تلك الدول ومتطلّبات اللحظة السياسية، ولا تتعامل معها كقضية شرعية ولا تعترف بكيان كردي، كما أنّها لا تضحّي بعلاقاتها مع الدول التي تتقاسم كردستان من أجل الكرد، بل تقدّم علاقاتها مع تلك الدول على علاقاتها مع الكرد. كردستان مقسّمة بين أربع دول إقليمية؛ وقد أتاح هذا التقسيم للدول الأربع العمل معاً ضد القضية الكردية، وبسبب الصراعات فيما بينها، استغلّت هذه الدول القضية الكردية ضدّ بعضها بعضاً بشكل مؤقّت وتكتيكي؛ فتقسيم كردستان بين أربع دول قد أدّى إلى جعل تغيير وضع الكرد المضطهَدين واكتسابهم للحقوق مرهوناً بتوازنات إقليمية بالغة التعقيد، والعديد من الدول، بالإضافة إلى الدول التي قسّمت كردستان، تخشى تغيير الحدود، وتعارض القضية الكردية.

وتبرز أهمية الدولة التركية في القضية الكردية، ومعارضتها لأي إنجازات ومكاسب للكرد، ليس في أجزاء كردستان فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضاً، سيّما أنّ تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتستغلّ جميع الفرص والإمكانات المتاحة لها ضمن هذا الحلف، سواءً كانت دبلوماسية أو سياسية أو عسكرية أو اقتصادية في هذا السبيل.

أسباب داخلية: انقسمت كردستان بين أربع دول، واضطرّت الحركات السياسية الكردية في كل جزء منها إلى عقد اتفاقيات مع محتلّي الأجزاء الأخرى من كردستان؛ الكرد في جنوب كردستان مع إيران وتركيا وسوريا، والكرد في شمال كردستان مع سوريا وإيران والعراق… وهكذا، سواء كان ذلك من منطلق العلاقات التكتيكية أو استغلال الصراعات بين هذه الدول نفسها، والصعوبات التي تواجهها الحركات الكردية بسبب الحصار الذي تفرضه هذه الدول؛ فقد أدّى هذا الوضع إلى تفاقم الصراعات الداخلية بين الحركات الكردية نفسها، كما أدّى إلى اندلاع حروب داخلية فيما بينها، وفقدان الإرادة السياسية لدى معظم هذه الحركات.

لا تقتصر مشكلة عدم نجاح القضية الكردية على دعم القوى الدولية لها أو عدم دعمها، بل ترتبط إلى حدّ كبير وجوهري بغياب مشروع سياسي كردي موحّد يُعزّز القضية الكردية في جميع أجزاء كردستان، ويُصبح قوة داخلية فاعلة، ويُسهم في تحقيقها؛ إلّا أنّ هذا المشروع الموحّد والمشترك لا يزال غائباً حتى اليوم، سواء على مستوى كردستان بشكل عام أوعلى مستوى كل جزء من أجزائها.

الصراعات بين الحركات السياسية الكردية في كل جزء، وعلى مستوى كردستان عموماً، تحت ستار التنافس على تمثيل القضية الكردية، قد أتاحت لهذه الحركات فرصة تشويه بعضها بعضاً والابتزاز والعداء فيما بينها.

مشروع حرية الكرد وتجاوز حالة التبعية

القضية الكردية هي قضية شعب يسعى لنيل حقوقه وترسيخ وجوده السياسي على خريطة الشرق الأوسط، وهي قضية بالغة الأهمية لدرجة أنّ حلّها يعني تغيير وجه الشرق الأوسط وبُنيته، ومحو قرون من الإنكار والقمع وإلغاء جريمة معاهدة لوزان. لذا، فهي ليست مجرّد ملف مغلق في أرشيف المكاتب الدبلوماسية للقوى الدولية، تحرّكها متى شاءت وتتجاهلها متى ما شاءت. يجب تجاوز هذا الوضع، وبالتالي، فإنّ تحويل القضية الكردية من ورقة مساومة بين القوى الإقليمية والدولية تُستخدم كأداة ضغط مؤقّتة وفقًا لمصالح تلك الدول، إلى مشروع حرية للشعب الكردي ووطنه كردستان، يُعَدّ أمرًا بالغ الأهمية.

     في كردستان، هناك مشروعان سياسيان: الأول مشروع الدولة القومية، الذي يمثّله باشور كردستان والحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أمّا الثاني فهو مشروع الأمة الديمقراطية للسيد عبدالله أوجلان، الذي يؤثّر في روج آفا وشمال وشرق كردستان، وقد طُبّق هذا المشروع في روج آفا بشكل أو بآخر. في خِضمّ أزمة الشرق الأوسط والتنافس بين القوى الدولية والإقليمية حول النفوذ والخريطة الجديدة للمنطقة، والتي تُعرَف بالحرب العالمية الثالثة أو بدايتها، لا يستطيع الكرد الاستفادة من التغييرات التي ستشهدها المنطقة لصالح قضيتهم من خلال هذه المشاريع المختلفة، سيّما مع وجود خلافات وتنافس بين قادة المشروعَين حول تمثيل القضية الكردية، يأتي هذا رغم طبيعة علاقاتهم التي لم تتجاوز حتى اليوم كونها شكلية وعادية وعاطفية. لذلك، من الضروري تحقيق التكامل بين المشروعَين، ليصبحا في جميع أجزاء كردستان مشروعًا للحرية للشعب الكردي، مشروعًا سياسيًا مشتركًا، من شأنه أن يعزّز مكانة الكرد. إنّ وجود مشروع سياسي مشترك في كردستان يمكن أن يجعل الكرد قوّة فاعلة في موازين القوى في الشرق الأوسط، وشركاء في رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، وقوة داخلية قوية ذات وحدة سياسية، وقادرين على التحرّر من حالة كونهم مجرّد أداة وورقة للمساومة.

التكامل ما بين مشروع الدولة القومية ومشروع المجتمع الديمقراطي

مشروع السيد أوجلان: مشروع السيد أوجلان لحلّ القضية الكردية في أجزاء كردستان الأربعة، وخاصة في شمال كردستان، يستند على تجاوز عقلية الدولة القومية، وعلى الاندماج الديمقراطي للكرد ضمن إطار الدول القائمة؛ وذلك بجعلهم شركاء في هذه الدول دون تمييز بين الشعوب والثقافات، أو ببناء مجتمعات ديمقراطية يحكم فيها الكرد أنفسهم من خلال إدارات ذاتية، وإدارات محلّية، ونظام فيدرالي، وعلى مستوى أوسع، بناء كونفدرالية شرق أوسطية، بحيث تصبح كردستان حلقة وصل بين الدول التي قسّمت كردستان، أي يتمّ بناء كردستان كونفدرالية. فما هي فرص إقامة ونجاح هذا المشروع؟! لا تقبل به الدول الإقليمية والدولية على المستوى الأيديولوجي، ولكن كحلّ، تقبل الحكم الذاتي المحلّي، والإدارات الذاتية، وحتى الفيدرالية، أمّا على مستوى الدول الإقليمية فإنّها لا تقبل أي حلول للقضية الكردية ما لم تُجبَر على ذلك.

مشروع الدولة القومية: يُمثّل مشروع الدولة القومية رغبةً تاريخيةً وأملاً للشعب الكردي، الذي عانى من الإبادة الجماعية والقمع والغزو في الشرق الأوسط، ضمن حدود أربع دول. وأسوةً بشعوب المنطقة التي حظيت بدول قومية، لم يحظَ الكرد بدولة خاصة بهم، ويرون في قيام كردستان مستقلّة ضماناً لوجودهم وحقوقهم؛ بمعنى قيام كردستان على أساس وحدة اللغة والتاريخ والعرق وحدود واضحة ومحدّدة، كما هو الحال في الدول المجاورة؛ فما هي فرص إنجاح هذا المشروع؟! يعدّ إقليم كردستان العراق (جنوب كردستان) مثالاً على ذلك، إذ خطا خطوات نحو إعلان الدولة؛ لكنّه لم يحظَ باعتراف دول المنطقة ولا دول العالم، وفخلال استفتاء عام 2017 كشفت هذه الدول موقفها الرافض لقبول دولة جديدة في الشرق الأوسط.

إذا ما قارنّا بين هذين المشروعَين، بعيداً عن المشاعر والآمال والرغبات، ووفقًا للوضع السياسي في العالم، ودراسة الاستراتيجيات الدولية في الشرق الأوسط، والمشاريع الإقليمية الحالية (إسرائيل، تركيا، إيران) وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة؛ فعلى الرغم من الدعاية التي تقوم بها إسرائيل حول إقامة دولة كردية، إلّا أنّه لا يوجد شيء من هذا القبيل على أرض الواقع، فهي ببساطة تستغلّ القضية الكردية كأداة وورقة للضغط فحسب، ومصالحها تتطلّب وتقتضي ذلك. كذلك، إذا ما علمنا أنّ تقسيم الدول في الشرق الأوسط ليس بتلك الأهمية الكبيرة بالنسبة لأمريكا، بقدر ما تهمّها عرقلة وإضعاف قوّة الصين وروسيا في المنطقة والعالم، فإنّ تقسيم هذه الدول مدرَج على جدول أعمال إسرائيل، ولكن ليس من خلال إنشاء دول مستقلّة جديدة، بل من خلال توزيع السلطة داخل حدود تلك الدول، ومن خلال الفيدرالية، بل وتجاوز ذلك بإنشاء أشباه دول محلّية داخل الدول القائمة، دون إعلانها والاعتراف بها. علينا أن نبحث في هذه الحالات، وأن ندرك أنّ حالة التوجّه نحو بناء دولة هو أمر غير موجود، وكذلك بالنسبة لوضع الكرد، فقوّتهم لا تكفي لتأسيس دولة؛ لذا يمكن للكرد بناء سياسة مشتركة من خلال دمج المشروعَين معاً.

دمج مشروع الأمة الديمقراطية ومشروع الدولة القومية:

وفقًا للتطورات والأحداث والحركات في المنطقة، فإنّ حلّ القضية الكردية في الشرق الأوسط، وعلى أعلى المستويات، يتّجه نحو إنشاء إنشاء أقاليم كردية داخل حدود الدول القائمة. لذا، يمكننا دمج المشروعَين؛ مشروع الأمة الديمقراطية الذي يتجاوز مسألة الحدود، ويرتكز على المجتمعات المحلية، ويتّخذ من التشاركية وحقوق المرأة والثقافات وحماية البيئة والإدارات الذاتية ركائزَ أساسية، ومشروع الدولة القومية الذي يتميّز بالمؤسسات والسيادة والحدود الواضحة، مثل إقليم كردستان العراق (جنوب كردستان)، من أجل بناء نموذج سياسي جديد وواقعي وشامل للحالة الكردية. يمكننا الاستفادة من تجربة إقليم كردستان (جنوب كردستان) فيما يتعلّق ببناء الدولة، وكذلك من تجربة روجافا (غرب كردستان) في مجالات الحكم والمساواة والشراكة والتنظيم الاجتماعي. بعبارة أخرى؛ ينبغي استلهام نموذج الدولة من جنوب كردستان، ومن الأمة الديمقراطية نستلهم الفلسفة الاجتماعية والبيئة وحقوق المرأة والكومينات؛ من خلال هذا التكامل، يمكن للكرد تقديم مشروع كردي خاص للشعب الكردي وللعالم، كحلّ للأزمات الإقليمية، ويتوحّد الخطاب السياسي الكردي، وتتحقّق الوحدة ما بين نموذج الدولة ونموذج الحرية الاجتماعية، وتتعزّز القضية الكردية وتنتقل من إطار النفعية (كونها أداة) إلى مشروع للحرية.

الخُلاصة:

– الاعتماد على القوى الدولية لحل القضية الكردية والحصول على الحقوق هو أمر غير مضمون ولا يمكن الوثوق به؛ فمواقف الدول وخططها تتغيّر تبعًا لمصالحها، وقد دفع الكرد ثمن ذلك مرارًا، وأقرب مثال على ذلك هو الاستفتاء في جنوب كردستان عام ٢٠١٧ وكذلك التخلّي عن غرب كردستان عام ٢٠٢٦.

– إذا لم يكن لدى الكرد مشروع محدّد، وسياسة واضحة، ولم يكونوا متّحدين، فسيظلّون دائمًا أداةً وورقة للمساومة بين القوى الدولية والإقليمية تتلاعب بها متى ما شاءت وكيفما شاءت.

– يجب على الكرد تجاوز خلافاتهم البينية؛ فلا ينبغي لأي جزء من كردستان أن يتصرّف بمعزل عن الآخر، بل يجب أن يكون هناك تكامل ما بين الكرد على مستوى كردستان، وأن يتّحدوا من أجل حماية الأمن القومي.

– المشاريع الكردية من أجل حلّ القضية الكردية يجب ألا تؤدّي إلى المواجهة بين الكرد، وعليهم ألّا يختلفوا حول الجهة التي تمثّل القضية الكردية؛ بل يجب أن يجمعهم مشروع مشترك من خلال التكامل ما بين مشروع الدولة القومية ومشروع المجتمع الديمقراطي.

إنّ جميع التطوّرات والتحوّلات والمخاطر التي تواجه الشعب الكردي، خلال هذه الحرب العالمية الثالثة، والأزمات الكبرى التي تحدث بسبب مصالح قوى الهيمنة في المنطقة، تفرض على الشعب الكردي وعلى الحركات السياسية في كردستان العمل تحت مظلّة مؤتمر قومي، من أجل تحديد مشروع الحرية لأجزاء كردستان الأربعة، وتجاوز حالة الاستغلال المتكرّر للكرد كأدوات لخدمة مشاريع الدول الإقليمية والدولية، وأن يصبحوا فاعلين وشركاء في ترسيم الشرق الأوسط الجديد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
404 Not Found

Not Found

The requested URL was not found on this server.


Apache/2.4.58 (Ubuntu) Server at mangsud.haxor-research.com Port 443