مقاومة الشيخ مقصود وخفايا الأهداف الاستراتيجية التركية
د. أحمد سينو

إنّ العدوان الهمجي لما يُسمّى بالجيش العربي السوري الجديد ضدّ حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، والذي قوبل بمقاومة كبيرة من قبل عناصر الأمن الداخلي (الأسايش)، هو خرق واضح من جانب حكومة الجولاني لاتفاق1 نيسان 2025، والذي انسحبت بموجبه قوات سوريا الديمقراطية من الحيّيين مقابل الحفاظ على الهوية الاجتماعية والخصوصية الثقافية لهما، باعتبارهما من المناطق ذات الغالبية الكردية، ونصّ الاتفاق كذلك على إعادة تفعيل الخدمات العامة ودمج الحيّين إداريًا مع محافظة حلب، بما يشمل القطاعات الخدمية والصحية والتعليمية. وقد هدف العدوان إلى إشغال الرأي العام السوري بأحداث حلب؛ لصرف نظر الشعب السوري عن التنازلات غير المعلَنة التي قدّمتها حكومة الجولاني لإسرائيل.
ويبدو أنّ أردوغان قد وافق على منح الحكومة السورية المؤقّتة الضوء الأخضر للتوقيع على الاتفاق الأمني بين الجانبين السوري والإسرائيلي؛ مقابل حصوله على الضوء الأخضر لدفع مرتزقته وما يسمّى بالجيش العربي السوري الجديد لشنّ عدوان ضدّ الحيّين، وتهجير مَن تبقّى من الكرد في الشمال السوري المحتل على غرار ما حدث في عفرين، ولاستكمال سياسة التغيير الديمغرافي التي تنتهجها، ومنع تطبيق اتفاقية 10آذار التي تنصّ في أحد بنودها الثمانية على إعادة المهجّرين إلى عفرين وسري كانييه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض). وفي خضمّ الهجمات التركية بالمسيّرات المساندة لهجمات الجولاني قامت المظاهرات والمَسِيْرات المساندة من الشعب الكردي في كل مكان في الأجزاء الكردستانية وفي أوربا؛ دعماً للمقاومة البطولية لأهالي الشيخ مقصود والأشرفية.
وفحوى الصراع يتمثّل أكثر بين إسرائيل وتركيا، خاصة بعد تراجع النفوذ الإيراني وحزب الله، وانحسار النفوذ الروسي؛ حيث وجدت تركيا الفرصة سانحة أمامها لتعزيز نفوذها في سوريا، خاصة في الشمال السوري، ولدعم حكومة الشرع ذات الخلفية السلفية التي تنسجم مع بنية حزب العدالة والتنمية التركي والفصائل الإرهابية المساندة لها، وتعمل على تنفيذ أجندتها في الداخل السوري. ولكن ذلك يصطدم مع الأهداف الإسرائيلية في منع تركيا من تولّي دور إيران في سوريا، والتحكّم بالقرار السياسي والعسكري؛ فالضربات الإسرائيلية ضدّ القواعد التي كانت ترغب تركيا في إقامتها في الداخل السوري، وقصفها للعاصمة دمشق ولمقرّ وزارة الدفاع السورية أثناء المجازر المرتكبة بحقّ المكوّن الدرزي؛ إنّما هي مؤشّر على عدم ثقة إسرائيل بتركيا وبالحكومة السورية المؤقّتة.
ومن خفايا الأهداف السياسية والاستراتيجية لتركيا زعمها أنّها تحرص على وحدة الأراضي السورية، في حين أنّها تحتل الشمال السوري، وتسعى لضمّ حلب إلى نفوذها بعد السيطرة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وتزعم أنّ اللامركزية أو الفيدرالية تهديد لأمنها القومي؛ وقد صرّح وزير الدفاع التركي أنّ الأمن القومي التركي والسوري واحد، في دليل واضح على الهيمنة التركية على حكومة الجولاني. كما أنّ إصرار أردوغان على النظام المركزي في سوريا، إنّما بسبب خشيته من انتقال التجربة الديمقراطية إلى تركيا، ومطالبة الشعوب التركية بحقوقها الدستورية؛ وهذا أمر قد يتناقض مع أهداف إسرائيل الاستراتيجية، التي تجد في اللامركزية أو الفيدرالية حماية لأمنها؛ لذا تعمل على دعم السويداء لإنشاء إدارة ذاتية لها، ومنع ما يسمّى بالجيش العربي السوري من دخول المناطق الدرزية.
ومن الأهداف الاستراتيجية لتركيا تحييد قوات سوريا الديمقراطية وإضعافها تدريجياً؛ وذلك من خلال محاولات الضغط على المجتمع الدولي لدمجها (انحلال) ضمن الجيش العربي السوري ذي الخلفية الإرهابية، وتفكيك وحدات حماية المرأة وقوات الأمن الداخلي (الأسايش)، لتكون مناطق الإدارة الذاتية تحت رحمة الفصائل الإرهابية المنضوية في الجيش العربي السوري، وإنهاء الإدارة الذاتية كأكبر مُطالِب بإقامة نظام لامركزيّ في سوريا.
ومن الأهداف السياسية والاستراتيجية التركية أيضاً إعادة إحياء مشروع مدّ خط أنابيب الغاز القطرية عبر الأراضي السورية باتجاه تركيا، ومن ثم إلى أوروبا، لتكون خطوط الطاقة المارّة عبر سوريا تحت النفوذ والوصاية التركية؛ وبالتالي ستكون تركيا لاعباً إقليمياً يلعب دوراً اساسياً في نقل الطاقة إلى أوروبا.
ومن الأهداف التركية الاستراتيجية أيضاً توقيع الاتفاق مع حكومة الشرع اللاشرعية، لترسيم الحدود البحرية بين تركيا وسوريا، لتكون هذه الحدود المائية متوافقة مع ما ترغب فيه تركيا، وبالتالي الوصول إلى غاز الساحل السوري، ومن أجل ذلك كان لها دور في المجازر التي ارتكبتها فصائل الجولاني الإرهابية ضدّ العلويين، كما أنّه من أهداف تركيا وضع يدها على تلك الاستثمارات، والوقوف في وجه التحالف الإسرائيلي القبرصي اليوناني ومنتدى غاز شرق المتوسط.
وفي الخلاصة النهائية؛ لا يمكن الوثوق بالدولة التركية أيّاً كان نظامها السياسي، فمجازر الأرمن والسريان والكرد لا تزال شاهد عيان؛ ومن المتوقّع أن تقوم القوى الكردستانية بإعادة النظر في علاقتها مع الدولة التركية، كما أنّه من المتوقّع أن تقوم قوات سوريا الديمقراطية أيضاً بإعادة النظر في اتفاق 10 آذار مع حكومة الجولاني غير المنتخَبة، والتي تتغيّر قراراتها بين لحظة وأخرى وفقاً للظروف والرغبات التركية، التي تسعى بكل جهد إلى تدمير سوريا اقتصادياً واجتماعياً، وجعلها منطقة نفوذ لها (سوريا تحت الوصاية التركية). وفي النهاية يبقى خيار المقاومة هو الخيار الأنسب بدلاً من الخضوع لتركيا ومرتزقتها، فالمقاومة حياة.


