روجآفا في منظور السياسة الدولية الأمريكية لإدارة الأزمة السورية

تشهد الساحة الإقليمية تطوّرات متسارعة على الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية منذ بداية العام الجاري 2026، وذلك بناء على المتغيّرات على الساحة الدولية التي صعّدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتقال رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، وتوجيه تهديدات صريحة للنظام الإيراني وباقي الدول المناهضة للسياسة الدولية الأمريكية بضرورة الخضوع لإرادته، بالإضافة إلى استمرار السياسة الأمريكية في التعاطي مع أزمات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وفقاً لمقاربة “صناعة العدو ومن ثم تحجيمه”، في سياق سياسة عملية تبادل الأدوار بين الواقعية السياسية Political Realism والبراغماتية المتمحورة حول القوة الغاشمة أو ما بات يسمّى بـ”آلية الزناد” Snapback Mechanism (التفاوض تحت التهديد) لتأمين المصالح التي تهمّ أمنها القومي وفقاً للعقيدة السياسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب.
توضّح تجربة اتفاق الإدارة الأمريكية مع حركة طالبان، ومشاهد توافد آلاف الأفغان إلى مطار كابول للفرار ممّا يوصف بجحيم المتطرّفين، طبيعة السياسة الأمريكية في التعاطي مع الأزمات الوطنية للدول، من ناحية أخرى كثيراً ما تصطدم السياسة الوطنية للبلدان وأمنها القومي مع نزعة الهيمنة للقوى الدولية، والتي تؤدّي إلى تشكّل ديناميات الصراع المحلّي ذي البعد الإقليمي والدولي، وهو ما نجده في أزمات الشرق الأوسط. هذه السياسة ليست حديثة بل متجذّرة في الأنظمة الدولتية ذات العقيدة السياسية والعسكرية المتمحورة حول مدّ نفوذها على البلدان الأخرى، حيث تمارس كل منها سياستها وفقاً لأيديولوجية سلطتها مثل روسيا وتركيا وإيران والسعودية وإسرائيل.
يمكن فهم المقاربة الأمريكية في الاستجابة للأزمة السورية من خلال اتفاق الدوحة بين الإدارة الأمريكية وحركة طالبان، خاصة أنّ النظام الجديد في دمشق، والأقرب إلى نظام الإمارة الإسلامية، يمتلك أوجه شبه مع نظام كابول الحالي، أمّا بالنسبة لفهم السياسة الأمريكية تجاه حلفائها في محاربة الإرهاب، ونقصد هنا قوات سوريا الديمقراطية، فلا توجد قوة أفغانية مشابهة ليتم على أساسها المقارنة، إلّا أنّه يمكن مقارنتها مع تجربة إقليم كردستان في سياق الدولة الاتحادية العراقية. قد يطرح هذا الأمر إشكالية في المقارنة بين وضعين ضمن كيان واحد مع وضعين ضمن كيانين مختلفين لتوضيح صيرورة الأزمة السورية في ظل الهيمنة الأمريكية على سوريا.
إلّا أنّه يمكن توضيح هذه الإشكالية من خلال تحليل متغيّرات المشهد الجيوسياسي السوري الحالي كانعكاس لتطوّرات الصراع الإقليمي، وتطوّر العلاقة بين القوى الفاعلة السورية في سياق إعادة بناء نظام الحكم في سوريا من خلال طرح عملية الدمج بين أكبر قوتين سوريتين، نظام أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية، وفقاً للسياسة الأمريكية الإقليمية، إلّا أنّ هذه العملية قد تعطّلت بسبب حالة التوتّر غير المسبوق بين الطرفين؛ فنظام الشرع قدّم تنازلات هائلة على حساب سيادة الدولة السورية لصالح إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا، مقابل تصفية كافة القوى السورية المخالفة له، وهو نهج إقصائي متطرّف بُدِءَ تنفيذه فور سيطرة “هيئة تحرير الشام” على السلطة في دمشق، وحالياً وصل إلي مرحلة يعمل فيها مع حلفائه على إبادة الكرد في روجآفا، بعد أن نقض عهوده معهم، ويبدو التواطؤ الأمريكي واضحاً بإدارة توماس براك، السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، الذي يقدّم حلولاً ووعوداً تفتقر إلى الضمانات الموثوقة؛ ما تسبّب بحالة عدم يقين لدى كافة المكوّنات السورية، وأصبح الانقسام الوطنيّ يتجذّر بشكل تدريجي في الوعي الجمعي للمجتمعات السورية.
يمكن استقراء السياسة الأمريكية المستجدّة في المنطقة، والتوتّرات والمعارك التي تسبّبت بها، من خلال تحليل مجموعة من المعطيات التي تعدّ مؤشّرات يمكن بناء تصوّر حول الخطوات الأمريكية المقبلة على أساسها، ومن أبرز هذه المعطيات ومؤشّراتها:
- البراغماتية الأمريكية في التعاطي مع أزمات العالم الإسلامي:
للولايات المتحدة تجربة خاصة مع الإسلام السياسي؛ منذ إدارتها لمشروع الحزام الأخضر المتمثّل بتطويق الاتحاد السوفيتي بالقوى الإسلامية المتطرّفة، مروراً بإشكالية علاقتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحالياً علاقتها مع النظام التركي ونظام أبو محمد الجولاني في دمشق (أحمد الشرع حالياً)؛ وتبدو المقاربة الأمريكية تجاه هذه الأنظمة تتمثّل في منحها دوراً وظيفياً في الصراع مع خصومها، وعدم التدخّل في الأزمات الجارية بينها، وترك زعمائهم يحلّون مشاكلهم بالطريقة التي يفضّلونها مع الاستعداد للتدخّل في حال تهديد أمن المصالح الأمريكية. بشكل عام لا توجد مشكلة لدى الولايات المتحدة لبناء شراكة وعقد اتفاقيات استراتيجية الطابع مع الأنظمة وحركات الإسلام السياسي المتطرّفة، ويشير كلٌّ من اتفاق الدوحة مع طالبان، والاتفاق مع نظام أحمد الشرع (هيئة تحرير الشام) إلى هذه الحقيقة، وهو ما يعدّ بمثابة تطوّر في السياسة الأمريكية التي كانت تركّز سابقاً على التحالف مع الأنظمة الديكتاتورية والقومية والمناهضة للشيوعية. في المقابل، تبدي الأنظمة الإسلامية المتطرّفة مرونة كبيرة في العلاقات مع الولايات المتحدة؛ وهذا الأمر يشير إلى منفعة متبادلة، ولكن لا يمكن بناء علاقة استراتيجية طويلة المدى على أساسها، فالأنظمة الإسلامية عاجزة عن وقف صراعاتها الداخلية على السلطة والثروة، ويمكنها ببساطة نقض تعهّداتها بمجرد صياغة فتاوىً مزاجية. كما أنّ تزايد الوعي السياسي والمعرفي، وثورة الذكاء الاصطناعي، وفشل الإسلام السياسي في الاستجابة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتحقيق السلام الداخلي؛ يجعل عمرها قصيراً نسبياً، ويعدّ نظام ولاية الفقيه في إيران ونظام أردوغان أبرز شاهدين على هذا الأمر.
تشير هذه المعطيات إلى أنّ الولايات المتحدة تعمل على وضع مختلف القوى المحلية على حافة هاوية الصراع الدموي، ومن ثم التدخّل في اللحظة التي تراها مناسبة لفرض سياستها، فهي تسخّر الإسلام السياسي الذي يتقبّل المجازر والانتهاكات المؤطّرة بالفتاوي الدينية المزاجية، لتنفيذ أجندتها الدولية، على غرار توظيف المواثيق الدولية لتبرير تدخّلاتها في شؤون الدول ومزاعم تهديد الأمن القومي الأمريكي، من خلال الخطاب الشعبوي للتملّص من المسؤولية عن تكاليف السياسة الخارجية والخسائر أمام المجتمع الأمريكي، هذه السياسة تضع المصداقية الأمريكية على المحكّ، وتشكّل مصدر تهديد على الأمن القومي الأمريكي على المدى البعيد، وهذا ما يدفع مختلف القوى المتأثّرة إيجاباً أو سلباً من السياسة الأمريكية إلى إعادة ضبط سياسة التعامل مع الولايات المتحدة.
طبّقت الولايات المتحدة هذه السياسة بشكل واضح في سوريا بعد سقوط نظام البعث، فهي كانت قادرة تماماً على اعتقال بشار الأسد ومساعديه على غرار ما فعلته بمادورو، لكنّها فضّلت اختيار مسار آخر يتمثّل بإعادة رسم الخارطة السياسية لسوريا وفقاً لحدود الدم، أي تتحدّد مناطق المكوّنات السورية بمقدار قدرة كل طرف مهاجم على سفك الدماء، وإعادة التموضع الديمغرافي للتجمّعات البشرية ذات الدماء الواحدة كالكرد، وذات العقيدة الواحدة مثل العلويين والدروز. وبالتالي يمكن الجزم أنّ ما يحدث حالياً في سوريا هو جزء من سياسة إعادة بناء النظام الإقليمي وفقاً لحدود الدم؛ ما يعني أنّ هذه السياسة تشمل تركيا والعراق وإيران والأردن ولبنان أيضاً. الجولاني، الذي يجيد الاختباء في الانفاق وتقديم التنازلات لتحقيق طموحاته الشخصية، قد يتمكّن من تحقيق مكاسب تكتيكية، إلّا أنّها غير موثوقة من الناحية الاستراتيجية، لذلك سيستمرّ في سياسة توجيه عدوانية الآلاف من العناصر المتطرّفة لديه نحو أعدائه ومَن يعتبرهم أعداءه، مثل الكرد والشيعة وحركات الإسلام السياسي المتناقضة معه إيديولوجياً، لترسيخ سلطته المطلقة والتغطية على منظومة الفساد الجديدة المكوّنة من أقاربه وزعماء الفصائل الموالين له؛ وهذا ما يعني استمرار سفك الدماء وانتهاكات حقوق الإنسان، وقد تضطرّ بعض القوى المعارضة له لمهادنته ولكن لفترة معينة، فإعادة تدوير سياسة نظام البعث أثبتت فشلها على المدى البعيد، وتؤدّي إلى تطوّر التطرّف العقائدي الذي يمجّد القتل بهدف التسلّط بوتيرة متسارعة، وهو ما يُعدّ مصدر تهديد كبير على استقرار أي بلد.
- إعادة التموضع العسكري الأمريكي في سوريا والعراق
أنهى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وجوده العسكري في القسم العربي من العراق بتاريخ 2026.01.18، وركّز معظم قواته حالياً في إقليم كردستان، كما وأعلنت الإدارة الأمريكية في وقت سابق قوات البيشمركة كشريك مهمّ للأمن القومي الأمريكي وخصصت ميزانية دعم ضخمة نسبياً له، وفي الطرف السوري ركّزت قوات التحالف والقوات الأمريكية تواجدها في القسم الكردي من سوريا (روجآفا) في قاعدتَي قسرك وخراب الجير، حيث زادت من وتيرة توريد الإمدادات العسكرية واللوجستية بشكل مكثّف منذ عام 2025 وحتى الوقت الراهن، وشملت ميزانية الدفاع الأمريكي دعماً مادياً لقوات سوريا الديمقراطية، وأعلن سيناتورات بارزون بشكل صريح عن دعمهم للكرد ووصفهم بالحلفاء، حتى أنّ السناتور الأمريكي البارز ليندسي غراهام قد ربط قوات سوريا الديمقراطية وبشكل خاص المكون الكردي بالأمن القومي الأمريكي، وذلك في سياق تداعيات وساطة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا لوقف إطلاق النار بين قوات سوريا الديمقراطية ونظام الشرع لتحقيق تقدّم في اتفاق الدمج المؤسساتي بين الطرفين، إلّا أنّ الخلافات بين الطرفين قد أخدت منحىً تصاعدياً خطيراً تمثّل بخرق نظام الشرع لاتفاقية “1 نيسان” في حلب، واجتياح الأحياء الكردية في المدينة بعد أن استغلّ الاتفاقية لسحب الأسلحة الثقيلة والمتوسّطة منها وإضعاف دفاعات هذه الأحياء، لتتطوّر الأوضاع في شرق الفرات بخيانة بعض النخب والعناصر العربية الشريكة لقوات سوريا الديمقراطية وتحويل ولائها إلى نظام الشرع، والمشاركة في ارتكاب المجازر بحق الكرد وتهجيرهم، وكذلك قتل وإذلال العرب المتمسّكين بالعلاقة الودّية مع الكرد، لقد أدّى هذا التصعيد إلى تقويض اتفاقية 10 أذار أيضاً، وأعاد الأزمة السورية إلى المربّع الأوّل، ووفّر فرصة غير مسبوقة لتنظيم داعش لإعادة تنظيم صفوفه بوتيرة أعلى؛ وهذا ما جعل بعض الدول المستهدفة في حالة الجاهزية القصوى، لا سيّما العراق، لقد تسبّبت السياسة الأمريكية بتصعيد التوتّر مجدّداً في الشرق الأوسط، على الرغم من أنّ الأمور كانت تسير في اتجاه يضمن المصالح الاقتصادية الأمريكية؛ ما يشير إلى أنّ هذه السياسة مدفوعة بوضوح تحت تأثير الدوافع الأيديولوجية لدى الإدارة الأمريكية، فهي لا تتقبّل أيديولوجيات تنظيمات الإسلام السياسي وأيديولوجية القومية العربية، كما أنّ الأمة الديمقراطية على الرغم من الانفتاح الأمريكي النسبي عليها، تعيق مخططات إعادة رسم خريطة المنطقة وفقاً لحدود الدم، ويبدو أن تقويض الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا يندرج في هذا السياق، وتشير معظم المعطيات إلى أنّ الإدارة الأمريكية تريد التعامل مع الكرد كقومية مضطهدة على غرار اليهود، وجعلهم في وضع أقرب ما يكون إلى التعرّض للإبادة الجماعية، وبنفس الوقت استخدامهم كورقة لابتزاز الأنظمة الدولتية في تركيا وسوريا والعراق وإيران، كما يؤكّد المفكر الكردي عبد الله أوجلان، ويبدو أنّ بناء دولة قومية كردية بات يتحوّل إلى خيار استراتيجي في العقيدة السياسية والعسكرية الكردية لمواجهة عمليات الإبادة، وهذا ما يقوّض بدوره مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي الذي طرحه القائد أوجلان لفرض سلام متين في المنطقة في حال عدم استجابة الدولة التركية لمبادرته، وعدم تقبّلها فكرة تفكّك تركيا إلى كيانات إسلامية تركية، وقومية تركية وكردية.
- الأزمة السورية وأمن إسرائيل:
تتعامل الإدارة الأمريكية مع نظام الشرع كشريك استراتيجي بعد موافقته على ضمان أمن دولة إسرائيل ومحاربة النفوذ الإيراني ورفاقه القدامى، تنظيمات داعش والقاعدة، والانضمام إلى التحالف الدولي، على الرغم من ذلك لا تزال فعالية انضمام نظام الشرع إلى التحالف الدولي غير واضحة، حيث لا تزال القوات الأمريكية تعتمد على قوات أمن البادية (فصائل جيش سوريا الحرة سابقاً) التابعة شكلياً لوزارة داخلية نظام الشرع؛ هناك عدّة أسباب يمكن من خلالها صياغة تفسير لهذه الإشكالية، أبرزها الانقسام الأيديولوجي الواضح في هيئة تحرير الشام حول مساعدة القوى التي تصفها بـ”الصليبية واليهودية والملحدة والكافرة” في محاربة تنظيمات الإسلام السياسي الأخرى، ويشير إلى حقيقة هذا الانقسام تعرّض رأس النظام، أحمد الشرع، لعدة محاولات اغتيال ضمن مواقعه المحصّنة في دمشق، وإعلان بعض شركائه الإسلاميين ورجال الدين صراحة رفضهم لنهجه، أبرزهم تنظيم ما يسمى “سرايا أنصار السُّنّة” الذي ينشط في غرب سوريا، وتحرّكات خلايا داعش براحة أكبر نسبياً في مناطق سيطرته، بشكل خاص في درعا وحماة وإدلب وديرالزور، وإقدام عناصر الأمن التابعين لوزارة داخلية نظام الشرع على قتل جنود أمريكيين في تدمر نهاية العام الفائت، بالتوازي مع تشكّل طبقة مرفّهة من الفاسدين الجدد المحسوبين على الشرع وفقاً لمبدأ “الغنيمة مقابل الولاء” في الوقت الذي لا يزال فيه الآلاف من الحاضنة الشعبية لحركات الإسلام السياسي يعيشون أوضاعاً مأساوية في المخيمات ومناطق اللجوء.
بالتوازي مع ذلك تستغل تنظيمات حراس الدين والقاعدة وحزب التحرير الإسلامي وداعش والإخوان المسلمين سياسات نظام الشرع المتناقضة مع أيديولوجية الإسلام السياسي في دعايتها الشعبوية؛ ما يمنحها فرصة جيّدة لتوسيع حاضنتها المجتمعية، والتغلغل بشكل أكبر في مؤسسات الدولة، وتأمين موارد إضافية من الأموال والدعم اللوجستي.
الاتهامات الإسرائيلية لنظام الشرع وإبقائه تحت الضغط العسكري تشير إلى إدراك الإسرائيليين لهذه الحقيقة، وعلى الرغم من شهرتهم كتجار ورجال أعمال إلّا أنّ احتمال تعرّضهم للمجازر قد تحوّل إلى هاجس أمني دائم الحضور في ذهنية قادتهم، وتدرك إسرائيل تماماً أنّ أمنها القومي في خطر على المدى البعيد، ويبدو أنّها اختارت حلّاً أمنياً تكتيكياً يتمثّل في تحويل الجنوب السوري إلى منطقة محايدة، أي منزوعة السلاح، ويحظر فيها أي نشاطات مناهضة لإسرائيل، وتم دعم هذا الخيار بوجود قوة درزية جاهزة للتدخّل في حال خروج الأوضاع عن السيطرة، وتم اعتماد حلّ إضافي يتمثّل باستمرار الأزمة الأمنية في سوريا، وتواصل إلى الصراع بين نظام الشرع وباقي القوى والتنظيمات المناهضة له، حيث يشير هجوم نظام الشرع على الكرد في روجآفا وشمال سوريا بعد اتفاق باريس في منتصف شهر كانون الثاني الجاري إلى هذه الحقيقة، وهذا ما قد يفسّر سياسة إدارة الفوضى التي يقودها المبعوث الأمريكي إلى سوريا “توم باراك” فكل اجتماع له يفضي إلى سفك للدماء، حدث ذلك بالفعل في الساحل السوري والسويداء والآن في روجآفا.
وبالتالي يشير المشهد السياسي والعسكري في سوريا إلى استخدام الشرع كأداة لرسم حدود الدم في سوريا، وتوظيفه في حروب طائفية محتملة ضد الشيعة والعلويين في لبنان والعراق بعد طرد القوات الأمريكية من العمق العراقي باتجاه إقليم كردستان وتهديد أمن دولة إسرائيل، من ناحية أخرى تبدو استراتيجية أحمد الشرع في التحوّل إلى وريث للدولة الأموية واتباع سياسة معاوية في تجنيد العشائر العربية لقتال المسلمين وغيرهم، مؤشّراً على مساعٍ لتحقيق مجد شخصي يحمل بين طياته تنافساً قد يتطوّر إلى خصومة على المدى البعيد مع أردوغان وملكي السعودية والأردن؛ باستغلال أزمات هذه الدول واستعداده لتقديم المساعدة لهم كندٍّ. لا يمكن الجزم بما يتصوّره الأتراك والسعوديون حول هذا المؤشّر، إلّا أنّ تطوّر أزمات الشرق الأوسط ستوضح هذا الأمر بشكل أفضل. عموماً سيستمر تعامل التحالف الدولي مع نظام الشرع بدون منحه كامل الثقة، وستتّخذ مسافة أمان منه؛ سواء عبر قوات أمن البادية أو وحدات حماية الشعب والمرأة، إلّا أنّ إدارة الفوضى التي يقودها المبعوث الأمريكي إلى سوريا تعدّ سياسة غير موثوقة، وهذا يهدّد الاستقرار الذي تتطلّبه المشاريع الاقتصادية العابرة للحدود، وتزيد الهواجس الأمنية الإقليمية والدولية، فالولايات المتحدة بحاجة إلى أصدقاء موثوقين في المنطقة، هذا الأمر قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى استبدال مبعوثها بآخر، أو فرض حلول محدودة لخفض معدل التصعيد، أو قد تعيد الإدارة الأمريكية المقبلة النظر في سياستها تجاه الأزمة السورية.
- محرّكات الصراع الدولي
ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك صراعاً أيديولوجياً محتدماً بين القوى الدولية، وتبدو ضرورية لتبرير الحروب الخارجية سواء أكانت العمليات العسكرية وتقبّل تكاليفها أو العقوبات الاقتصادية أو دعم التنظيمات المسلّحة على اختلاف أنواعها. ولدى تحليل مشهد الصراع الإقليمي والدولي من منظور البناء الأيديولوجي، واستناداً إلى الجدالات الأيديولوجية في الأبحاث والدراسات المختلفة والتقارير الإعلامية؛ نلاحظ بشكل واضح الإسلاموية السُّنّية العثمانية، والإسلاموية الشيعية الخمينية، والإسلاموية السلفية الجهادية، والصهيونية المسيحية، والصهيونية اليهودية، والأرثوذكسية الأوراسية. هذه الأيديولوجيات تقسّم العالم إلى الخير والشر، وتعدّ محرّكات أساسية في عملية الصراع الدولي، وعلى هذا الأساس يتم الاصطفاف في محاور الصراع خاصة في الشرق الأوسط، وإدارته بشكل يجعل العالم في وضع وكأنّه يعيش صراع حضارات، وتعدّ الولايات المتحدة الفاعل الأبرز في هذا الصراع بحكم قوتها العسكرية والاقتصادية الهائلة.
استناداً إلى الأيديولوجيات التي تم ذكرها، يمكن تصنيف التكتلات المشاركة في هذا الصراع إلى:
- التكتّل الغربي بقيادة الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية التي تديرها الولايات المتحدة.
- التكتّل العربي بقيادة الإسلاموية السلفية الجهادية التي تديرها المملكة العربية السعودية.
- التكتّل التركي بقيادة الإسلاموية السُّنّية العثمانية (متحالف مع الإخوان المسلمين وحماس)، التي تديرها تركيا.
- التكتّل الفارسي بقيادة الإسلاموية الشيعية الخمينية (متحالف مع حزب الله اللبناني والتنظيمات العراقية الشيعية والحوثيين) التي تديرها إيران.
- التكتّل الروسي بقيادة الأرثوذكسية الأوراسية التي تديرها روسيا
أمّا بخصوص العلاقة بين هذه التكتلات فهناك اصطفافات ضمن محاور في حالة تنافس أو صراع، وهي المحور المتمثّل بتحالف واضح بين التكتّل الغربي والتكتّل العربي، والمحور المتمثّل بالتحالف بين التكتّل الفارسي والتكتّل الروسي، ويتبع التكتّل التركي البراغماتية في التعاطي مع المحورين واتباع سياسة “الحرب بين المعارك” التي تشتهر بها إسرائيل. يحاول نظام الشرع اللحاق بالتكتّل العربي، إلّا أنّ ضعف ثقة التكتّل الغربي به وهشاشة الوضع الأمني والاقتصادي في سوريا يجعله في وضع تنفيذ الأوامر والتعليميات. على صعيد متّصل؛ يدلّ الدعم غير المسبوق الذي قدّمه الإعلام الخليجي، وبشكل خاص الإعلام السعودي، لنظام الشرع في المجازر التي ارتكبها بحق العلويين والدروز والكرد والعَلمانيين العرب، إلى تورّط أطراف سعودية بارزة في تقديم الدعم اللامحدود للشرع، وبنفس الوقت توضّح العقيدة الأمنية السعودية المرتكزة على مواجهة الإرهاب بالإرهاب ولو على حساب الطوائف غير السُّنّية والقوميات غير العربية التي حوّلتها اتفاقيات سايكس بيكو ولوزان إلى أقليات بحكم الأمر الواقع، من ناحية أخرى فإنّ الصراع السعودي على النفوذ مع الإماراتيين في كل من اليمن وليبيا والسودان وحتى في سوريا، يكشف السياسة الجديدة للدولة السعودية.
يبدو واضحاً غياب الكرد في هذه التكتّلات وسط انقساماتهم السياسية، وقد يكون هذا سبباً في طبيعة الهجمات والجرائم التي يتعرّضون لها، ربما افتقارهم لدولة خاصة بهم، أو أنّ قوتهم الاقتصادية والتسليحية المحدودة تجعلهم في وضع يتم فيه استخدامهم كورقة ضغط في سياق الصراع الإقليمي، قد يكون هذا سبباً في هذا الغياب وفيما يتعرّضون له من انتهاكات ومجازر. استجاب القائد الكردي عبدالله أوجلان لهذه المشكلة؛ بطرح مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي التي ترتكز على أمن الشعب الكردي مقابل السلام مع الدول التي يعيشون فيها، هذه المبادرة – بلا شك – ستؤدّي في المدى البعيد إلى تطوّر الكيان السياسي الكردي والقدرة على إدارة هذه الدول، وهذا ما ترفضه الأنظمة القومية الدولتية الحالية، فلا تزال الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط أسيرة ذهنياتها الرجعية، في الوقت الذي تطوّر فيه العالم الغربي إلى درجة تولّي رجل أسود قيادة الولايات المتحدة (باراك أوباما) أو هندي من أصول هندوسية رئاسة الحكومة البريطانية (ريشي سوناك).
الهجمات على الكرد في روجآفا، وتهديد إقليم كردستان، ورفض دمج الكرد في الأنظمة الحاكمة؛ تشير إلى استمرار السياسة الإقصائية والإبادة الثقافية وحتى الجماعية بحق الكرد، ويدفع الكرد رغماً عنهم بوتيرة أكبر نحو العمل على بناء دولتهم القومية، والتي سيكون ثمنها باهظاً على الكرد والمنطقة بشكل كبير. في خضم التطورات المتسارعة في المشهد السياسي والعسكري في المنطقة لا تزال بناء دولة قومية كردية فكرة مستبعَدة في الوقت الراهن، ولا تزال مبادرة القائد الكردي للسلام تشكّل طوق النجاة من الغرق لجميع شعوب المنطقة في الحروب العبثية التي سيكون فيها الجميع خاسراً.
- وأخيراً:
إنّ منظور المقاربة الأمريكية لإدارة الأزمة السورية يشكّل جزءاً مهمّاً من السياسة الأمريكية في إدارة الأزمات الدولية وفقاً لمصالحها، فإعادة التموضع العسكري الأمريكي في سوريا والعراق، ووضع الأزمة السورية في مسار يضمن أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية، والبراغماتية الأمريكية في التعاطي مع أزمات العالم الإسلامي، والأيديولوجيات التي تغذّي الصراعات، توضّح إلى حدّ كبير التحوّل المفاجئ في السياسة الأمريكية ودول التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تجاه قوات سوريا الديمقراطية وتراخيها في منع الهجمات الدموية عن أهالي روجآفا الذين لعبوا دوراً في دعم الأمن والسلم الدوليَّين. بشكل عام؛ تتأثّر السياسة الأمريكية إلى حدّ كبير بعقلية الإدارة الأمريكية، فترامب يقيم علاقاته استناداً إلى مقدار الربح المادي، أي مقدار ما يمكن أن يجني مقابل ما يقدّمه من مساعدة، فالشرع لم يجد مشكلة في تقديم ثروات سوريا كهدية لترامب، وتعهّد بحماية أمن دولة إسرائيل في اتفاق باريس والمشاركة في أي حرب على تنظيمات الإسلام السياسي الأخرى وإيران، أمّا القادة الكرد فيبدو أنّهم لا يزالون غير متكيّفين في عقلية السلطة والدولة، ولا تزال قيمهم الأخلاقية تمنعهم من الهجوم على المجتمعات التي لا تعاديهم. قد يفسر هذا الأمر تخلّيَ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عن الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية في الحرب ضد داعش، خاصة بعد بروز بوادر بإدراج التنظيمات الشيعية الموالية لإيران في قائمة أهداف التحالف، ويبدو أنّ نظام الشرع يدرك هذا الأمر، ويعمل على استغلاله وكأنّه يطرح الدولة السورية بقيادته كدولة الغساسنة التابعة للإمبراطورية الرومانية في مواجهة الإمبراطورية الفارسية وأتباعهم المناذرة في العراق.



