تحليلات

مصالحة أردوغان مع النظام السوري تحوّلت إلى استفتاء لتثبيت أقدامه أكثر فأكثر في الشمال السوري   

مصالحة أردوغان مع النظام السوري تحوّلت إلى استفتاء لتثبيت أقدامه أكثر فأكثر في الشمال السوري   

  

 

بدون شك الحدث الأبرز في هذه الأيام هو موضوع المصالحة بين النظام التركي والمعارضة السورية مع النظام السوري، فالكثير من المراقبين يتوقعون بأن أردوغان سيضحي بالائتلاف والفصائل المسلحة التابعة له كما فعل في حلب والمناطق الأخرى من سوريا مقابل ضمان نجاحه في الانتخابات التركية القادمة، والبعض الآخر يصفه بالتكتيكات المؤقتة ما دامت تركيا مصرة على القرار2254ونحن بدورنا نسأل ونتساءل عن ماهية مدلولات تصريحات محمد الجولاني الأخيرة حول هذا الموضوع؟ هل فعلاً سيضحي أردوغان بالمعارضة في سبيل ضمان نجاحه في الانتخابات التركية المقبلة؟ وهل سيسلم المعارضة السورية والشمال السوري إلى النظام السوري؟ وهل هناك نوايا خفيّة وراء ذلك، وما هي الدوافع والأهداف والسيناريوهات المحتملة؟ من خلال تحليلنا هذا سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة والعديد من الأسئلة الأخرى.

الاجتماع الثلاثي الذي جمع وزيرَي الدفاع التركي والسوري تحت إشراف روسيا في موسكو، بحضور وزير الدفاع الروسي وموضوع مصالحة تركيا والمعارضة السورية مع النظام السوري تأتي ضمن تفاهمات مسبقة واستكمالاً لقمة طهران، حيث بذلت إيران جهوداً حثيثة في سبيل تقارب النظامين التركي والسوري منذ النصف الثاني من 2022، وبالرغم من التناقضات والصراع التاريخي بين تركيا وإيران من جهة وروسيا وتركيا من جهة أخرى إلا أنه هناك قواسماً مشتركة تربط هذه الأطراف بعضها ببعض في سوريا. وحتماً أي مصالحة على أساس المصالح بين النظام التركي والنظام السوري ستستفيد منها روسيا وتركيا بالدرجة الأولى، وسيكون الخاسر الأكبر هو الشعب السوري في شمال شرقه وشمال غربه. وإن القاسم المشترك بين تركيا وسوريا وإيران وروسيا هو ضرب اتحاد المكونات السورية، والقضاء على الإدارة الذاتية التي تشكلت بجهود وتضحيات آلاف الشهداء، واستهداف الوجود الأمريكي في سوريا، وفي الجانب الآخر نسمع من انعقاد اجتماع موسع للعشائر السورية تحت إشراف تركيا في أورفة لحشدها وتحريضها ضد الإدارة الذاتية، في حين يسعى النظام في سوريا باللعب على وتر العشائر وتحريضها ضد الإدارة الذاتية في الأحداث الأخيرة في دير الزور وبعض المناطق الأخرى لخلق الفتن والفوضى. لذا فأن تقارب النظامين التركي والسوري يُعرض المصالح الأمريكية للخطر أيضاً، بالرغم من تصريحات المسؤولين الأمريكيين المتكررة بضرورة تجنب التطبيع مع نظام الأسد إلا أن تركيا تتجاهل ذلك وتمضي وتستمر في مواقفها في التطبيع والسياسات التوسعية في المنطقة، لم تبدي أمريكا أيّة مواقف صارمة لقطع الطريق أمام تدخّلات تركيا في شمال وشرق سوريا وكامل المنطقة، هذا ما يعطي الجرأة لتركيا على التمادي في سياساتها التوسعية، وإذا لم تكسر أمريكا جدار صمتها، فهذا يعني أنّ السياسات التركية في المنطقة تصبّ في مصلحة أمريكا في بعض النواحي.

بالعودة إلى المصالحة بدون شكّ فإنّ المصالحة مع النظام غير ممكنة في فترة وجيزة؛ لأنّ الطرفان قد فقدا الثقة ببعضهما، ربّما يقوم الطرفان بتنفيذ بعض الخطوات لإظهار حسن نية تجاه الآخر، فعلى المدى القريب نستبعد أن تتم المصالحة بالشكل المطلوب من كلا الطرفين، إلا أن هناك احتمال كبير أن يتمّ تفعيل اتّفاقية أضنة لتشمل 32-35 كم عوضاً عن 5كم، والحقيقة أنّ طائرات “الدرون” التركية التي تدخل إلى الأجواء السورية بعمق أكثر من 40 كم وصولاً إلى الحسكة وهذا يضعنا موضع الشك على أن الطرفين اتفقا على استحداث اتفاقية أضنة وخفايا الاجتماعات الأمنية بين النظام السوري والتركي. بدون شك التهديدات والهجمات التي تقوم بها تركيا ضد قسد والإدارة الذاتية تنصب في مصلحة النظام السوري بالدرجة الأولى، لأنّ سوريا بمفردها لا تجرؤ على الاقتراب من قوّات سوريا الديمقراطية، وخاصة في ظل وجود قوات التحالف الدولي في هذه المناطق، لذا تريد كلٌ من روسيا وسوريا أن تكون التهديدات و الهجمات التركية دوماً بمثابة سيفٍ مسلّط على رأس كلّ من  قوّات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وتتقدم النظام السوري رويداً رويداً في شمال وشرقي سوريا لبسط سيطرتها، وفي المحصّلة فإنّ كلتا الدولتين تجدان في مشروع “الأمّة الديمقراطية” خطرًا عليهما، وإن نجاحها في سوريا تعني تعميمها على تلك الدول أيضاً وبالتالي كلتاهما متفقتان وتعملان على نسف الإدارة الذاتية، والقضاء على وجود الكرد إلى عمق 35 كم، أي القضاء على روجآفا بكاملها.

أمّا إذا انتقلنا إلى غرب الفرات والمناطق الأخرى الواقعة تحت سيطرة الاحتلال التركي، فإنّ الشعب الذي قُتِل وشُرّد ودُمر قراه ومدنه وتعرضوا للاضطهاد على يد النظام السوري هل سيقبلون بالمصالحة بسهولة وينسوا كل ما حدث؟

يبدو أنه هناك انقساماً واضحاً من حيث شكل وطبيعة المظاهرات والخطابات المناوئة لتصريحات المسؤولين الأتراك ورئيسها أردوغان والتي حدثت في أكثر من خمسين موقعاً بأن معظم الناس يستنكرون ما يدلي به المسؤولون الأتراك من تصريحات حول المصالحة مع النظام السوري في المناطق المحتلة من قبل تركيا، زد على ذلك مشهد الهجوم على سالم المسلط رئيس الائتلاف وطرده من المظاهرات ونعته بالشبيح كل هذا يدل على أن منطقة شمال غربي سوريا مقبلة هي الأخرى على مرحلة جديدة، فقسم من المعارضة والفصائل المسلحة التي تحتمي تحت العباءة التركية (صنيعة تركيا)ستكون مع تركيا قلباً وقالباً في موضوع المصالحة مع النظام والقسم المتبقي من المعارضة سيلجأ إلى من يمولها ويحتضنها، وربما نجد مزيداً من الانفتاح من الجانب الأوروبي والأمريكي نحو المعارضة السورتركية في الأيام المقبلة.

هناك ثلاثة أهداف لأردوغان من وراء المصالحة مع النظام السوري:

أوّلًا: يريد أردوغان أن يسحب ورقة إعادة اللاجئين إلى سوريا من أيدي خصومه (المعارضة التركية) ليتخلص من عِبْءِ اللاجئين، وبالتالي يضمن نتائج الانتخابات التركية.

ثانياً: يريد أردوغان من وراء المصالحة مع النظام السوري تحريك الملف السوري وإعادة إحيائه بعد الجمود والركود طيلة السنوات الماضية. يريد أردوغان أن يكون مفاتيح الملف وزمام المبادرة في يده بحيث يكون كل شيء تحت سيطرته وحسب ما يخطط له. نعلم أنّ الأزمة السورية قد جمدت منذ عدّة سنوات، ولا تلوح أيّة حلول في الأفق، والقوى العظمى لا تسمح بحدوث الاقتتال من أي طرف كان، وكذلك لا توجد إرادة دولية لحل الأزمة السورية، إن خلط الأوراق قبيل الانتخابات التركية لعلها تدخل في مصلحة النظام التركي، كذلك إرغام أمريكا على اتخاذ مواقف جديدة تنصب في مصلحتها.

ثالثاً: من خلال التصريحات حول المصالحة يقوم أردوغان ومسؤوليه وبالتنسيق مع هيئة تحرير الشام بتعزيز وتثبيت أقدامهم في المناطق المحتلة في سوريا. بالرغم من انتقادات الجولاني الأول للاجتماع الثلاثي كان لاذعاً ووصفها بالانحراف الخطير وأنه يمس أهداف الثورة، إلا أنه في تصريحه الثاني خفّف من حدة لهجته تجاه تركيا. ربما تكون تصريحات أردوغان ورئيس هيئة تحرير الشام محمد الجولان متناقضة ومختلفة بعض الشيء في هذا الموضوع إلا أنه في جوهرها واحدة، وجهان لعملة واحدة، كلاهما يرسخان فرض الأمر الواقع الذي تشكل من خلال عمليات احتلال في السنوات الماضية لكن كلٌ حسب طريقته لذا فالهدف واحد. وهناك اجتماعات دورية تعقد بين وزارة الدفاع التركية وقوى الآمن التركي مع هيئة تحرير الشام بين الحين والآخر وهناك تنسيق عال المستوى بين الطرفين وخاصة بعض بعد تمدده إلى مناطق سيطرة الدولة التركية.

تركيا ومن خلال مناوراتها في المصالحة مع النظام السوري قد أحيت الملف السوري من جديد وسلّطت الأضواء عليه، وستبقي تركيا الملف السوري الحدث الأبرز للتأثير على السياسة الأمريكية، فتركيا حقّقت قسطاً كبيراً من أهدافها التي كانت قد خطّطت لها في سوريا، ومن الآن فصاعدًا ستقوم هيئة تحرير الشام بإدارة المناطق لكن تحت سيطرة النفوذ التركي، أي ستكون ولاء المناطق السنية المحتلة الواقعة في شمال غربي سوريا لتركيا، وسيكون لتركيا اليد العليا والكلمة المسموعة فيها.

بالعودة إلى موضوع المصالحة مع النظام السوري، وورقة اللاجئين وإعادتهم إلى سوريا، بدون شكّ فإنّ موضوع اللاجئين قد أصبح ثقلاً على تركيا، فالمعارضة التركية وخاصة حزب الشعب الجمهوري يستخدم هذا الموضوع ضدّ أردوغان، وبهذا الخصوص فقد أرسل حزب الشعب الجمهوري رسالة إلى الرئيس السوري قال فيها: “لا تتصالح مع أردوغان، وإذا ما فزنا في الانتخابات فسننسحب مباشرةً من سوريا، وسنعيد اللاجئين إلى سوريا”.

لذا فإنّ أردوغان يريد سحب ورقة اللاجئين من يد حزب الشعب الجمهوري، ويدخل على الخط مع النظام السوري بنفسه، ليقوم بإرضاء الشعب التركي، لكن الهدف الرئيسي لتركيا من هذه المصالحة هو القضاء على الإدارة الذاتية، وكذلك القضاء على قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسوف تقوم تركيا بتحريض النظام على قوات سوريا الديمقراطية ومناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وفي نفس الوقت لن تسمح تركيا بتثبيت حقوق الكرد في الدستور السوري. إنّ موضوع المصالحة وعودة اللاجئين السوريين بالقوّة غير ممكن في سوريا، وشروط العودة غير متوفّرة، فقد يتصالح نظاما أردوغان والأسد، لكن الشعب الذي تشرّد وقدّم الضحايا لا يمكن أن يقبل بالمصالحة مع نظام الأسد بهذه السرعة، ولن ينسحب أردوغان من الأراضي السورية بسهولة، والأهداف التي وضعها أردوغان أمامه في سوريا والعراق هي أهداف استراتيجية، وأردوغان مثله مثل بشار الأسد لن يتنازل بسهولة عن عرش السلطة، فنظام أردوغان والذي أعدّ العدّة لبناء سلطته منذ 20 عاماً حتماً لن يتنازل عن السلطة بسهولة، ويُتَوقّع أنّه إذا لم يتنازل أردوغان عن السلطة بسهولة – ولن يتنازل- أن تسيل الدماء، وسوف تحدث أزمة كبيرة في تركيا وستصبح الأوضاع فيها كأوضاع  إيران وسوريا، لأنّ الذين يقفون حجرة عثرة أمام تغيّرات القرن التي سوف تحدث في الشرق الأوسط هي الدول القومية المحافظة.

لو نظرنا من زاوية أخرى سنلاحظ أن مصالحة أردوغان والمعارضة السورية مع النظام السوري تحوّلت إلى استفتاء حقيقي على أرض الواقع في الشمال المحتل لتثبيت أقدامه أكثر فأكثر ، حيث خُيّر الشعب في هذه المناطق إما أن يقول: لا للنظام أو يبقى الوضع كما هو دون تغيير(أي نعم للأردوغان)، وهذا بحد ذاته دعمٌ وتأييدٌ لنظام أردوغان ليثبت أقدمه على بالأرض السورية ومعه المعارضة وبذلك يرفع من سقف مطالبه مع النظام السوري في المفاوضات التي سيجريها معه مستقبلاً، فأردوغان يعلم علم اليقين بأن الشعب في الشمال السوري سيرفض النظام ولن يقبله، وبهذا يكون أردوغان قد وصل إلى هدفه ومبتغاه.

أردوغان يعلم جيّداً أنّ غالبية الشعب في هذه المناطق لن يختار النظام إذا ما خُيّروا، وبهذا الاستفتاء قد تتحقّق غايته تلقائيًا، وبهذه المناورة قد يرضي روسيا أيضًا ويقول لها”في الحقيقة كنا نود أن تتصالح المعارضة أيضاً مع النظام، لكن المعارضة غير راضية.”

بعد تصريحات محمد الجولاني الأولى تبلورت الأمور أكثر فأكثر، وكان موقف الجولاني أكثر صرامةً وحِدة حيال اللقاء الثلاثي لوزراء الدفاع التركي والسوري والروسي، لقد تقاسموا الأدوار فيما بينهم، فتركيا لم تستقدم هيئة تحرير الشام ورئيسها محمد الجولاني إلى عفرين والمناطق الواقعة تحت سيطرتها من باب الفراغ، فيبدو أن هناك اتّفاقا قد تمّ بين تركيا والجولاني لإدارة هذه المناطق وفق آلية معينة بحيث تكون لتركيا اليد العليا في هذه المناطق، وهذا يعني أنّ كل شيء يتمّ حسب المخطّط المرسوم وهو تشكيل منطقة سنية أو حزام سني على كامل الشريط الحدودي ليكتمل مخطط التغيير الديمغرافي. إن تأكيد أردوغان وإصراره بين الفينة والأخرى على احتلال كوباني تأتي في إطار ربط كل هذه المناطق ببعضها أي أنّ شمال سورية ابتداءً من اعزاز وجرابلس والباب وعفرين إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا حتى أقصى غرب سوريا (إدلب) ترتبط تلقائيًا بهيئة تحرير الشام وزعيمها الجولاني وستكون هذه المناطق مناطق نفوذ تركية وستدار من قبل الجولاني والنظام التركي معاً.

إذاً نحن أمام ثلاث سيناريوهات مستقبلية:

السيناريو الأول، إذا ما اتجه الوضع نحو الانفراج وحل المعضلة السورية وفق قرار مجلس الأمن المادة 2254 فإن على تركيا الخروج من الأراضي السورية حالاً، عندئذ تخرج تركيا بكامل قواتها العسكرية ويبقى الجولاني راعياً على هذه المناطق باعتباره سوري الجنسية ليكون وكيلاً لتركيا يدير المناطق التي استولوا عليها في سوريا، ولا ننسى أن سماح تركيا لتمدد هيئة تحرير الشام في عفرين والمناطق الأخرى تندرج ضمن هذا الإطار.أي ستقام في منطقة سيطرة هيئة تحرير الشام والمنطقة التي تقع تحت الاحتلال التركي نظام حكم إداري من السنة المعتدلين وليس المتطرفين تحت الإشراف التركي ولن تعارضه أمريكا والدول الغربية، أي أنه سيكون هناك ثلاث مناطق نفوذ في سوريا، الأولى: منطقة سنية في إدلب والمناطق التي تقع تحت الاحتلال التركي، المنطقة الثانية منطقة علوية ومعها السنة المشاركين في الحكم مع بشار الأسد، المنطقة الثالثة هي منطقة شمال وشرق سوريا التي تديرها الإدارة الذاتية بجميع مكوناتها من الكرد والعرب والآشور والسريان والمكونات الأخرى.

أما السيناريو الثاني، فإذا تأزم الوضع وذهبت الأمور نحو الأسوأ واتجهت سوريا إلى التقسيم، فتركيا ستحافظ على مواقعها ونقاطها العسكرية على الأرض في شمال وغربي سوريا ولن تخرج منها، وسوف تقوم بإجراء استفتاء آخر كالذي أجرته من وراء المصالحة مع النظام وستضم هذه الأراضي إلى تركيا على  غرار ما فعلته في  لواء إسكندرون إذا لم تتدخل القوى الدولية لإيقافها، بهذا تكون تركيا قد وصلت إلى تحقيق استراتيجيتها التي طالما حلمت بها وهو الميثاق الملي الذي وضعتها نصب عينيها للوصول إلى أهدافها،واقتطاع أجزاء من سوريا والعراق كما خطط لها وضمها إلى تركيا.

السيناريو الثالث، وهو المصالحة مع قسد والإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا وليس المصالحة مع النظام، وكان هذا الاقتراح اقتراحاً أمريكياً. بعد تصريحات تركية حول المصالحة مع النظام السوري وردود فعل الشارع في شمال غربي سوريا وعدم المصالحة مع النظام، باتت الأجواء مهيأة أكثر من أي وقت مضى، وهنا يقع الدور على مسد والإدارة الذاتية أيضاً في إبداء بعض المرونة والانفتاح واستقطاب من يمكن استقطابه من المعارضة المعتدلة نحوها. فإذا تدخلت أمريكا وأوروبا على الخط ووضعوا ثقلهم في هذا المجال فسيكون بإمكانهم التأثير على المعارضة وإخراجها من تحت العباءة التركية لكن المشكلة تكمن في أن المعارضة غير مستقلة وقرارها ليست في يدها، وبالتالي لن تنجح عملية إحداث تقارب أي بين شمال وشرق سوريا وغربه، ولنجاح العملية لابد من إرضاء تركيا.

وعليه قامت أمريكا أحيانا بالوساطة بين الكرد وتركيا كي تقرب وجهات النظر بين الطرفين في الفترات الماضية إلا أنها لم تفلح في ذلك، بلا شك في الظروف الحالية موضوع مصالحة تركيا مع الكرد غير وارد لأن العقلية المسيطرة على النظام التركي هي عقيلة الإنكار، لذا يتطلب تغييراً جذرياً في الذهنية التركياتية التي لا تقبل الثقافات والأمم الأصيلة في المنطقة. وإذا ما تلمسنا تغييراً جدياً في إيديولوجية وبُنية الدولة العميقة في تركيا اتجاه الكرد والاعتراف بحقوقهم بشكل رسمي دستورياً في شمال كردستان حينئذ بإمكاننا الحديث عن توحيد شمال وشرق سوريا وشمال غربها، وستكون هذه بداية لحل القضية الكردية والاعتراف بحقوق الكرد في شمال كردستان أيضاً. ولا نستبعد أن يستأنف أرودغان ونظامه المفاوضات مع القائد أوجلان في زنزانته. وتبقى احتمالية التقارب بين شمال وشرق سوريا وشمال غربه مرهونٌ بالكف عن سياسة الإنكار التي تتبعها تركيا والقبول والاعتراف الرسمي بحقوق الكرد في روج آفا وباكورى كردستان من قبل النظام التركي والبدء بالمفاوضات العلنية مع القائد أوجلان في إمرالي لإحلال سلام دائم وشامل في المنطقة.

فوضع أردوغان ونظامه يشبه “القشة التي قصمت ظهر البعير” ولا يتحمل الكثير من الأعباء، فهو مهزوز اقتصادياً وسياسياً، ونحن مقبلون على الانتخابات التركية المبكرة، كذلك نقترب من عيد النوروز رأس السنة الكردية رمز المقاومة والنصر، والتي دكّت عروش الطغاة والظالمين من أمثال الضحاك. إن لم يخطُ أردوغان خطوات جدية نحو حل القضية الكردية فمن المحتمل أن يخسر المعركة الانتخابية المقبلة، ولتحقيق فوز ما على الأرض في الانتخابات فهو بحاجة ماسة إلى أصوات الكرد في تركيا، ومن هنا تبدأ أهمية دور إمرالي. ولا خيار أمام نظام أردوغان سوى المضي قدماً في علمية السلام التي بدأها بعد 2010 مع القائد أوجلان لحل القضية الكردية وتوقفت عام 2014، إن مفاتيح حل القضية الكردية لا بل القضية السورية وقضايا الشرق الأوسط في إمرالي، والقائد أوجلان قدم منظومة فكرية سياسية إدارية بديلة لإدارة منطقة الشرق الأوسط للخروج من المأزق الذي وقع فيه النظام العالمي الرأسمالي المبني على الدول القومية التي أبادت الشعوب وصهّرت الثقافات،إذ طرح القائد أوجلان حلولاً للقضية الكردية والمشاكل الشرق أوسطية العالقة ومن ضمنها قضية فلسطين وإسرائيل.

الخاتمة:

في المحصلة نستبعد أن يتمُّ المصالحة بين ليلةٍ وضحاها بين النظام التركي والنظام السوري، لأن نقاط الخلاف أكثر من نقاط التوافق، والقاسم المشترك الوحيد بين كلا النظامين هو معاداة الكرد وإنهاء الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وسيتم عقد لقاء على مستوى وزراء خارجية البلدين لوضع الخطط والأهداف، وربما تتم اللقاء المرتقب بين أردوغان وبشار الأسد إلا أن الخطوات الفعلية ستكون بعد الانتخابات التركية. كما نستبعد السيناريو الثاني وتقسيم سوريا في الوضع الحالي، فلا تغيير في الخارطة السياسية في الشرق الأوسط حالياً، إنما التغيير سيكون في شكل أنظمة الحكم وإدارتها.

السيناريو الثالث والمصالحة مع قسد وتوحيد شمال وشرق سوريا وشمال غرب سوريا محال في ظل تعنت تركيا بعدم الاعتراف بحقوق الكرد إلا إذا مارست أمريكا ضغوطاً عليها أو أقنعتها في العدول عن موقفها تجاه الكرد. السيناريو الثالث، سوريا التي تضمُّ ثلاث مناطق، المنطقة الأولى منطقة سنية، الثانية منطقة علوية ومن معه من السنة والثالثة منطقة شمال وشرق سوريا سيناريو محتمل ووارد جداً، على غرار ما فعلته أمريكا في نظام الحكم في العراق، ولا يستبعد أن يتم تطبقها هنا أيضاً.

إن ضرب الأمن والاستقرار ودفع المنطقة نحو الهاوية في شمال شرقي سوريا والمناطق الأخرى ينصب في مصلحة داعش وانعاشها من جديد، والحد من عمل التحالف الدولي ضد داعش، وإن ما تريده الأطراف الأربعة كل من روسيا وتركيا وإيران وسوريا من وراء المصالحة هو بسط هيمنة النظام السوري على كافة المناطق كما كان قبل 2011 ومن هنا يتبن لنا أن الإدارة الذاتية وقوات التحالف الدولي والقوات الأمريكية في دائرة أهدافهم. لذا من الضروري أن تتكاتف وتتلاحم جميع مكونات شمال وشرق سوريا في الوقوف في وجه هذه المخططات المحبوكة والتصدي لها والاعتماد على ذاتها للدفاع عن مكتسباتها حتى الرمق الأخير. كذلك تقع المسؤولية الكبرى على قوات التحالف في حماية مكونات المنطقة التي دافعت عن كرامة الإنسانية وحاربت داعش نيابة عن العالم. فبالنتيجة فإنّ المشاركين في الاجتماع الثلاثي (تركيا، روسيا، سوريا) إضافة إلى إيران فكلّ منهم يعيش أزمة كبيرة، والأنظمة الثلاثة (الأسد، أردوغان، بوتين) كلّ منهم معزول عن المجتمع الدولي ويعيش وحيداً تحت حصار خانق، ويعولون ويحتمون ببعضهم البعض، وباتت الدول القومية وبالاً على المجتمعات ومن ابتدعها. فبعد مئة عام من لوزان لا مفر من رياح التغيير في كل من سوريا وإيران وتركيا،  وسيكون للكرد مكانةٌ ودورٌ في الشرق الجديد ودمقرطة هذه الدول. وأصبح الكرد رقماً في المعادلة السياسية في الشرق الأوسط وستكون لهم الدور الريادي مستقبلاً.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى