فُرَص بناء سياسة كردية مشتركة في ظلّ أزمة الشرق الأوسط

كرديار دريعي

الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ليست بحرب إقليمية، كما أنّها ليست بسبب الخلافات بين عدّة أطراف؛ بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك واعتبارها حرب القرن، وحرب إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط وتقاسم النفوذ، كما أنّ هذه الحرب لا يمكن فصلها عن الصراع العالمي من أجل فرض نظام القطب الواحد أو نظام متعدّد الأقطاب؛ وحينها يمكن القول أنّ مسألة الخلافات الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تتجاوز مسألة السلاح النووي ودعم الإرهاب ونشر إيران للفوضى في المنطقة، وتتعدّاها إلى مسألة استراتيجية لها علاقة بالسؤال التالي: من الذي يرسم خريطة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط؟ لكن! في خضمّ هذه الحرب الدائرة والمشاريع التي تقف خلفها ويتم تنفيذها؛ ما هو موقع الكرد؟

   لا يخفى على أحد أنّ أيّ حرب وقعت في العالم أو في الشرق الأوسط قد جلبت معها الكثير من التغييرات الكبيرة، سواء تغييرات سياسية أو جغرافية أو اقتصادية، مثل الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والحرب العالمية الثانية (1936-1945)، والحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988)، وعملية عاصفة الصحراء التي شنّها التحالف الدولي ضدّ العراق، وعملية تحرير العراق (2003) وزلزال الربيع العربي الذي اندلع في (2010) والذي لا يزال مستمرّاً ولم تنتهِ آثاره بعدُ. كذلك الأمر بالنسبة للحرب الدائرة بين أمريكا – إسرائيل وإيران فإنّها بكلّ تأكيد ستجلب معها تغييرات كبيرة من الناحية الجغرافية ومن ناحية النفوذ وشكل الأنظمة، وحينها يمكن للمرء أن يتساءل: هل ستكون القضية الكردية عاملاً فاعلاً في رسم الخريطة الجديدة للشرق الأوسط، أم أنّها ستظلّ، كما كانت سابقاً، أداة في أيدي الدول المتنافسة، وسيتم تجاهل وضع حدّ للصراعات والتوصّل إلى اتفاقيات؟

الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران والأهداف الاستراتيجية:

الحقيقة أنّ لإسرائيل نفوذ دبلوماسيّ واقتصادي كبير على الساحة الدولية، ومنها الساحة الأمريكية، وتلقي بظلالها على سياسات عدد من الدول؛ لذا ومع اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران فإنّ الرأي العام، سواء في العالم العربي أو في الشرق الأوسط أو حتى إلى حدّ ما في أوروبا وأمريكا أيضاً، يرى هذه الحرب دفاعاً عن إسرائيل. النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي الإسرائيلي في أمريكا لا يعني بالضرورة أنّ الأخيرة تتحرّك وفقاً لإسرائيل، وإنّما هناك تشارك في المصالح وتقاسم للمهام بينهما، صحيح أنّ كليهما يعاديان إيران، إلّا أنّ لديهما أهدافاً مختلفة وأخرى مشتركة.

أمريكا: لأنّها ترى في نفسها دولة عظمى تقود النظام العالمي، لذلك ترى في مواجهة النفوذ الصيني والروسي هدفاً رئيسياً لها، فهي عندما تشنّ الحرب فإنّها، عدا عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي وكسر نفوذها، فإنّها تهدف كذلك لكسر نفوذ الصين وروسيا في المنطقة بالتزامن مع كسر نفوذ إيران.

إسرائيل: وكدولة صغيرة في الشرق الوسط، ترى أنّ تنامي قوة إيران ونفوذها يشكّلان خطراً وجودياً استراتيجياً عليها، لذا فإنّ تفتيت إيران وكذلك أذرعها ونفوذها في المنطقة تشكّل أهدافاً مهمّة بالنسبة لإسرائيل، بحيث تتحوّل الأخيرة إلى قوّة عسكرية واقتصادية وسياسية رئيسية في الشرق الأوسط.

خلال الحرب مع إيران يبدو أنّ الفرق ما بين الأهداف الأمريكية والأهداف الإسرائيلية هو أنّ أمريكا تستهدف النفوذ الروسي والنفوذ الصيني، أمّا إسرائيل فتستهدف إيران ذاتها، ولذلك فإنّ إسقاط النظام الإيراني وتقسيم البلاد ليست بتلك الأهمية الكبيرة بالنسبة لأمريكا، بقدر ما تهدف لإجبار إيران على الرضوخ لها والقبول بمشاريعها، إلّا أنّ إسقاط النظام الإيراني وتقسيم البلاد لا يخرج عن نطاق الأهداف الإسرائيلية.

إنّ تحرّك الكرد في ظلّ معادلة الأهداف والاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية ليس بتلك البساطة والسهولة، ومن الأهمية بمكان أن يعرف الكرد من الذي يضع ويرسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

من الذي يرسم خرائط توزيع النفوذ في الشرق الأوسط؟

مشاريع تغيير الشرق الأوسط المدرجة تحت مسمّى “الشرق الأوسط الكبير” أو “الشرق الأوسط الجديد” التي سمّتها أمريكا، أو مشاريع مثل “الهلال الشيعي” لإيران، و”العثمانية الجديدة” لتركيا، و”إسرائيل الكبرى” لإسرائيل؛ كلّها تتمحور حول أنّ الشرق الأوسط الذي قد تمّ تشكيله قبل 100 عام لا يجوز أن يبقى على حاله، ويجب أن يتغيّر، إلّا أنّ كلّ صاحب مشروع قد سعى لجعل هذا التغيير ملائماً لمصالحه.

عدا هذه الأطراف، هناك أطراف مؤثّرة أخرى مثل روسيا والصين وأوروبا والسعودية، وهناك القوى ما دون الدولة، مثل حزب الله والجماعات المسلّحة في سوريا وبعض المناطق الأخرى، وكذلك القوى الكردية التي تُعَدّ ضمن القوى ما دون الدولة، هي أيضاً تؤثّر في تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط.

إلّا أنّه حالياً وضمن هذه القوى والأطراف التي لا تزال مؤثّرة وتعمل بشكل فعليّ، نجد أنّ أمريكا على المستوى الدولي، وعلى المستوى الإقليمي إسرائيل؛ خاصة بعد تراجع الدور الروسي بسبب الانشغال بالحرب مع أوكرانيا، وكذلك بسبب سقوط نظام الأسد في سوريا، وضعف النفوذ والتأثير الأوروبي عدا بريطانيا التي تنسّق وتتعاون مع أمريكا، وكذلك بسبب انشغال الصين بالمسألة الاقتصادية وعدم إقحامها لنفسها في صراع الشرق الأوسط لا عسكرياً ولا سياسياً.

أمّا على الصعيد الإقليمي، فإنّ نفوذ إيران وكذلك نفوذ أذرعها قد تراجع بعد حرب أوكتوبر/تشرين الأول 2023 ما بين إسرائيل وحركة حماس، كما تمّ التضييق على تركيا وتحجيمها إلى حدّ كبير؛ وذلك بسبب إصرار إسرائيل واندفاعها وتأكيدها بوضوح على أنّها سوف تغيّر ملامح الشرق الأوسط. وضمن القوى ما دون الدولة فإنّ القوى الكردية باتت تتصدّر المشهد، خاصّة بعد تأسيس إقليم جنوب كردستان، ومحاربة داعش وعلوّ شأن قوات سوريا الديمقراطية وتنامي مكانتها، وتأثير الحركات الكردية في شرق كردستان وجنوبها.

باختصار، يمكن القول أنّ الكرد باتوا عاملاً مؤثّراً لا يمكن تجاهلهم في عملية ترسيم الشرق الأوسط، إلّا أنّ عدم تجاهلم هذا يرتبط بوضع الكرد أنفسهم، ومن هنا يمكن القول أنّ مَن يتولّى مهمّة ترسيم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط تأتي في مقدّمتهم كلٌّ من الولايات المتّحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل، وضمن القوى ما دون الدولة يأتي الكرد.

شكل خريطة النفوذ التي يتمّ إعدادها في الشرق الأوسط

ممّا لا شكّ فيه أنّ الشرق الأوسط يخضع لعملية تغيير، وهذا التغيير يحدث بما يتناسب مع مصالح القوى الفاعلة والمؤثّرة، وقد أشرنا سابقاً أنّ أمريكا وبريطانيا وإسرائيل تأتي في مقدّمة هذه القوى، وأنّ ضمن القوى ما دون الدولة يأتي الكرد؛ فكيف يتحرّك الكرد ضمن هذه المعادلة؟ وما هي حساباتهم؟ وما هو دورهم وما تأثيرهم؟ وما هو موقعهم على الخريطة؟

من المؤكّد أن وضع الكرد في الشرق الأوسط يرتبط بعدّة عوامل، ومنها: ما هي حقيقة مشروع الشرق الأوسط الجديد، سواء المشروع الإسرائيلي أو المشروع الأمريكي؟ هل المشروع يتضمّن التقسيم الجغرافي وتشكيل دول جديدة؟ هل المشروع يتضمّن فرض نموذج اللامركزية على الدول أم أنّه يتضمّن ترويض وإضعاف للدول المركزية؛ بحيث يتمكّن الكرد أيضاً من مواءمة مشاريعهم مع هذه المشاريع، أو إعلان مشاريعهم الخاصة، بحيث يعملون وينسّقون معاً على مستوى الأجزاء الأربعة لكردستان، أو أن يعمل كل جزء بمفرده بما يتلاءم مع الشروط والظروف الخاصّة به؟ بكلّ تأكيد، فإنّ الإجابة عن هذه الأسئلة والاحتمالات ليست بتلك السهولة.

   – منذ اندلاع الربيع العربي، فإنّ بعض الدول التي حدثت فيها الفوضى واندلعت الحروب الداخلية قد تعرّضت لتقسيم النفوذ على الأرض، إلّا أنّه لم تحدث مشاريع تقسيم رسمية، حيث باتت الأولوية للحفاظ على وحدة أراضي تلك الدول والمحافظة على حدودها الرسمية؛ بمعنى أن تبقى دولة مركزية ضعيفة، دون التوصّل إلى حلّ مستدام أو شكل نهائي لأوضاع هذه الدول، بل تمّ إبقاء الأمور مجمّدة على حالها.

– رغم عدم التوصّل إلى حلول للأزمات في مناطق الحروب والصراعات والنزاعات، فقد بدأت الحرب ضدّ إيران، وليس معلوماً ما الذي سينتج عنها؛ فإيران قد تعرّضت لرياح التغيير أيضاً، شأنها في ذلك شأن دول الربيع العربي، لكن مصيرها لا يزال محفوفاً بالغموض والضبابية؛ فهل سيتمّ تقسيم إيران أم أنّه سيتمّ تغيير النظام أم سيتمّ إضعافه وترويضه..؟ هذه كلّها سيناريوهات يتمّ الحديث حولها.

– في الوقت الذي لم تهدأ فيه الحرب ضدّ إيران بعد، يتمّ الحديث عن انتقال عجلة الحرب إلى تركيا أيضاً، كما يتمّ الحديث عن دول أخرى ستتعرّض للتغييرات والأزمات؛ مثل تركيا وباكستان والسعودية.

بالنظر إلى هذه التطوّرات، نرى أنّ الشرق الأوسط يمرّ بمرحلة انهيار منظّم، ولن يبقى على حاله، إلّا أنّ الشكل الجديد لم يتوضّح بعد، لكن وبناءً على التطوّرات والتصريحات والتحرّكات على الأرض، يمكن أن نوضّح أنّ تغيير الشرق الأوسط  يندرج في إطار هذه الغايات:

– فرض السيادة الإسرائيلية على الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً، وإلزام الدول العربية والإسلامية باتفاقيات السلام.

– إبقاء الدول الإقليمية الرئيسية في مواجهة أزماتها وخلافاتها دون إيجاد حلول لها، وإدارة تلك الأزمات في مراحلها الوسطى، بمعنى تأجيل الحلول لحين إيجاد الشكل النهائي لنظام الشرق الأوسط الجديد.

– كسر نفوذ كلّ من روسيا والصين، وكذلك الدول الإقليمية ذات الأطماع التوسّعية، مثل: تركيا وإيران.

من خلال جمع أهداف الحروب في الشرق الأوسط وأهداف الحرب ضدّ إيران، يمكن القول أنّ المشروع الذي يحقّق جميع هذه الأهداف هو نشر النظام الفدرالي في دول الشرق الأوسط، لكن وبناءً على الهدوء أو التجميد والإبقاء على أزمات هذه الدول معلّقة دون حلول، والتحريض العرقي والديني والقومي؛ نعتقد أنّه يتمّ التحضير لتطبيق خريطة الدم، للجنرال الأمريكي رالف بيترز في إطار مرحلة إعادة الصياغة، فالنظام الفدرالي وكذلك حدود الدم تحقّق أهداف كلّ من أمريكا وبريطانيا وإسرائيل.

الكرد في ظل هذه المشاريع والتحوّلات

بعيداً عن إطار أية مشاريع للتغيير في الشرق الأوسط، لا يمكن للكرد أن يعتمدوا على التكهّنات والتصريحات، فاحتياج القوى الدولية للكرد كأداة للتغيير منذ 100 عام قد مرّت بالعديد من التجارب، وقد عرف الكرد نتائج اعتمادهم على القوى الدولية في إيجاد الحلول لهم؛ منذ اتفاقية سيفر 1920م، وجمهورية مهاباد 1946م، وثورة الملّا مصطفى البارزاني 1975م، وانتفاضة جنوب كردستان 1991م، واستفتاء جنوب كردستان 2017م، واحتلال سري كانيه في روجافا 2019م، والتخلّي عن الإدارة الذاتية في روجافا 2026م؛ ومعظم تلك التجارب قد أفضت إلى أنّ القوى الدولية، ومع تغيّر مصالحها، قد غيّرت تعاملها مع الكرد وتخلّت عنهم، وجعلت منهم ضحيّة لمشاريعها؛ لذلك، وفي ظلّ استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدّ إيران، يُنظَر إلى الكرد مرّة أخرى كأداة مهمّة في مواجهة إيران، ودون أن يتمّ تقديم أيّة ضمانات للكرد لنيل حقوقهم وحلّ قضيّتهم وضمان حمايتهم، يتمّ الطلب منهم أن يتحرّكوا؛ فإذا ما تحرّك الكرد في مواجهة إيران، حينها ما هي الضمانات لعدم تكرار نفس التجارب التي أشرنا إليها أعلاه، إذا ما تغيّرت أولويات أمريكا وإسرائيل؟ ومن هنا يمكن القول أنّه أيّا ما كانت مشاريع أمريكا وإسرائيل بخصوص إيران والشرق الأوسط، فإنّ على الكرد أن يكونوا حذرين، ويجب أن تكون لديهم قراراتهم وسياساتهم الخاصّة، وعليهم كذلك أن يتحرّكوا وفق مصالحهم.

السياسة والاستراتيجية والتحرّك ضمن إطار أزمة المنطقة

لم يتم التوصّل إلى أهداف مشتركة ولا استراتيجية أو أسلوب حلّ مشترك للقضية الكردية، لا على صعيد كردستان بشكل عام ولا على صعيد كل جزء من أجزائها:

 – الحركات التي تتّخذ من فكر وفلسفة السيد أوجلان ترى أنّ حلّ القضية الكردية في أجزاء كردستان الأربعة يكمن في الكونفدرالية والإدارات الذاتية والمجتمع الديمقراطي، وبذلك تتجاوز مفهوم الدولة القومية، لأنّ الدولة القومية تتسبّب بالظلم والإنكار واندلاع الصراع؛ لذا فإنّ السيد أوجلان يطالب بتجاوز الدولة القومية من خلال ديمقراطية مجتمعية متعدّدة القوميات، وتعتمد بشكل أكبر على سياسة الاستفادة من العلاقات مع المجتمعات التي تشكّل الدولة، وليس من خلال العلاقات مع الأنظمة، أمّا مع الأنظمة فيفضّل أوجلان إقامة علاقات تكتيكية مؤقّتة وليست استراتيجية، تعتمد تلك الديمقراطية على القوة الذاتية بشكل أكبر.

– الحركات القومية ضمن الدولة القومية ترى أنّ حلّ القضية الكردية عامّ وشامل ويكمن في إقامة كردستان مستقلّة ومتّحدة، وتطالب تلك الحركات باستقلال كردستان بعيداً عن التوازنات الدولية والإقليمية، أو توفّر الفرص والإمكانيات، أو مناسبة السياسات الدولية، وهذه بحدّ ذاتها لا تتجاوز كونها سياسة عاطفية أكثر من كونها واقعية، ويُعَدّ نموذج استفتاء الاستقلال في جنوب كردستان 2017 خير مثال على ذلك؛ حيث أنّ الدول الكبرى لم تدعم تلك الخطوة، كما أنّ الدول الإقليمية أيضاً رفضتها بشكل مباشر وواجتها، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قراءة غير صحيحة للسياسة الدولية التي تشير إلى أنّ فكرة بناء دولة كردية لا تدور في أذهان تلك الدول الكبرى، وليست ضمن مشاريعها.

  • الحركات الكردية المعتدلة ترى أنّ حلّ القضية الكردية في كل جزء من أجزاء كردستان إنّما يتوافق مع الوضع الخاص بذلك الجزء، وتتراوح مطالبها ضمن إطار الإدارات الذاتية والحقوق الثقافية واللغة والإدارات المحلية. هذه الحركات تراعي التوازنات الدولية والإقليمية، كما تراعي علاقاتها مع الأطراف الدولية والإقليمية.

لذا؛ فإنّ غياب سياسة واستراتيجية ونهج وهدف مشترك للكرد على المستوى الدولي والإقليمي يُضعف القضية الكردية، كما أنّه يجعل من الكرد أداة ضمن مشاريع الدول، وعندما ينتهي دورهم يتمّ التخلّي عنهم؛ ومن هنا يجب على الكرد أن يبتعدوا عن حالة كونهم ” أداة” وعليهم أن يتحوّلوا إلى فاعلين ومؤثّرين لديهم مشروعهم الخاص ضمن أزمة الشرق الأوسط والمشاريع الإقليمية والدولية المتعلّقة بالشرق الأوسط. وفي هذا السياق يتحدّث السيد أوجلان حول الحاجة الماسّة لعقد مؤتمر قوميّ يرسم السياسة الكردية الخاصّة، وقد اقترح السيد أوجلان أن يتولّى السيد مسعود بارزاني قيادة المؤتمر، وخلال العام 2025 ومع إطلاق عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، أرسل السيد أوجلان رسائل كثيرة للقادة الكرد، خاصّة في ما يتعلّق بوحدة السياسة الكردية، وخلال العام 2026 تحدّث عن مسألة المؤمر القومي مرّة أخرى.

اليوم هناك فرصة جديدة تلوح في الأفق أمام الكرد في شرق كردستان، وباتوا ضمن أولويات القوى الدولية، وغياب سياسة واستراتيجية وهدف مشترك للكرد من شأنه أن يكرّر التجارب المأساوية السابقة التي مرّوا بها؛ ولذلك ينبغي على الحركات السياسية الكردية أن تتحرّك بسرعة، فالحرب الدائرة في إيران إنّما هي استمرارية للحروب في الشرق الأوسط، إلّا أنّها حرب أساسيّة ومفصلية سترسم شكل إدارة النظام الإقليمي بشكل عام، لذا فإنّ الكرد أمامهم خيارَان اثنان:

إمّا أن يبقى الكرد خلال هذه الحروب، خاصّة في إيران، كورقة ضغط تُستخدَم ضمن صراع وخلافات الأطراف، أو أن يتحوّلوا إلى فاعل مؤثّر ومنظَّم، ذوي رؤية وسياسة وهدف واستراتيجية مشتركة؛ هذا يعني أنّ هناك فرصة مواتية للكرد، ومن المعلوم أنّ الفرص لا تتكرّر على الدوام، وإذا لم تُحسن الحركات السياسية الكردية قراءة هذه المرحلة التاريخية في إيران والشرق الأوسط، وإذا لم تتوصّل إلى تشكيل وحدة الموقف الكردي واستقلالية القرار الكردي وعقد المؤتمر القومي؛ فإنّ تاريخ الهزيمة واستخدام الكرد كأداة سوف يُعيد نفسه.

أمّا إذا نجح الكرد في تحقيق وحدتهم، وتمكّنوا من انتهاج سياسة واقعية، وبناء رؤية استرايجية، وتوحيد أهداف وأساليب حلّ القضية الكردية بالاعتماد على مشروع ديمقراطيّ مشترك، فحينها وفي إطار أزمة الشرق الأوسط، وصراع المشاريع الإقليمية والدولية، ورغم كلّ المخاطر والتحدّيات، سيتمكّن الكرد من الوصول إلى تقديم مشروع جديد ومتماسك وواثق للقضية الكردية.

زر الذهاب إلى الأعلى
404 Not Found

Not Found

The requested URL was not found on this server.


Apache/2.4.58 (Ubuntu) Server at mangsud.haxor-research.com Port 443