آراء

الأزمة السورية ومسار الحل

أرجين ديركي

لا يزال الوضع السوري يأن تحت وطأة الأزمة التي يمر بها نتيجة لفشل نظامه السياسي في التعامل مع الأوضاع الداخلية والإقليمية والخارجية، ففي الداخل يستمر النظام في تكريس مبدأ أحادية السلطة ومزيدا من القتل والتدمير بعيداً عن الالتفات إلى مبدأ المشاركة، واعتماد التعددية، واحترام الرأي الآخر بدلاً من كبته . بل على العكس تماماً لا يزال مستمراً في العمل حسب عقليته الإقصائية قبل الثورة السورية من خلال القوانين الاستثنائية، والأحكام العرفية، وقانون الطوارئ بما يتماشى مع متطلبات القمع وتكديس السلطات وتسخيرها لصالح السلطة التنفيذية لإدامة مشروع الدولة الأمنية والحزب الواحد والسلطة المطلقة؛ الأمر الذي يجنب السلطة أيما إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي حقيقي، وتتم مواجهة هذا المأزق الداخلي بمزيد من القبضة الحديدية للأجهزة الأمنية.

وإقليميا ولعدم مواكبة النظام للتطورات العالمية السريعة من خلال الاصطدام المباشر وغير المباشر في أوكرانيا بين روسيا وأمريكا , والضغوط التي يمارسها الغرب عليها , تتجه سوريا نحو العزلة الشاملة ومزيد من الحصار الناجم عن قرارات مجلس الأمن والكونغرس الأمريكي من جهة وارتباطها الوثيق بطهران أدت ألي عدم قدرتها على التخلص من مشاكلها الداخلية والخارجية المتمثلة بدول الجوار أهمها تركيا التي تستغل المعارضة المسلحة كورقة ضغط عليها لتحقيق مكاسبها على حساب الشعب السوري في وقت بات العالم يتوجه من جديد نحو تعدد الأقطاب حسب السياسة العالمية الجديدة وابتعادها عن عائلتها الجامعة العربية بفجوات هائلة بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص .

نأت سورية بنفسها عن موجة التحول الديمقراطي التي تولدت منذ سقوط جدار برلين في التسعينات من القرن الماضي , وانهيار التكتل السوفييتي, ولم تأخذ عبرة من إفلاس النظم الاستبدادية والشمولية في العالم عموما, والتي كانت وراء تهتك البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية من خلال شعاراتها في الديمقراطية والاشتراكية والتعددية ، وكما لم تستخلص سورية كذلك العبرة من التبدل البنيوي والهيكلي في البيئة الجيوسياسية والفكرية في العالم الذي ولّد انتعاشاً وازدهاراً لمفهومات المجتمع المدني بدلا من الشمولية ونظام السوق والذي بقي على هذا المنوال حتى بعد الثورة السورية في2011م

ونتيجة لذلك فأن الدولة السورية بقيادة نظامها تعيش في عزلة حقيقية مع محيطه المحلي والإقليمي والدولي وكما يعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية خطيرة ويبدو كفاقد لقراره السيادي ولا يستطيع التعامل مع استراتيجية تضمن الأمن الوطني للبلاد كون استراتيجيته تتمحور حول ـاستعادة السلطة على كامل البلاد وإدارتها بالشكل الذي كان يديره قبل الأزمة.
وللخروج من عزلتها عليها ترميم بيتها الداخلي من خلال الاعتراف بالإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية وأصبح من الواضح أن عدم انتهاج طريق الاعتراف بالإدارة سيشكل مصدرا أساسيا للصراعات الداخلية والخارجية في المنطقة، ويؤدي إلى حروب داخلية ومواجهات مسلحة لا تحمد عقباها ، وهذا كله لا يؤدي سوى إلى عرقلة المشروع الديمقراطي والتعددية لكافة المكونات في المنطقة بصورة لا تضر فقط بمصلحة ومستقبل الشعب الكردي فحسب ، بل وبمصالح ومستقبل شعوب المنطقة قاطبةً، ولا يستفيد من هذه الحالة سوى القوى التي تمتلك مخططات للسيطرة والتسلط على البلاد .
إن التطورات السياسية الراهنة تؤكد بلا جدل على جوهر وحقيقة تأثير الدور الأساسي والحاسم لمسيرة نضال شعوب المنطقة المتمثلة بشقيها السياسي والعسكر ي على مستقبل سوريا الحديثة، وكل يوم يظهر وبشكل جلي إن السياسات الاستبدادية العقيمة والتي تتعارض مع تطلعات سائر المكونات في سوريا لا تجلب معها سوى حالات التوتر والاضطرابات الداخلية والأزمات الاجتماعية والهجرة والمجاعات، التي تهدد الأمن الداخلي، وتترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الاقتتال الداخلي، بل وحتى التدخلات الخارجية. ومن جهة أخرى، فكل خطوة إيجابية تجاه الحل الديمقراطي في شمال وشرق سوريا تترك أثرا إيجابيا على مسيرة التغيير الديمقراطي في سوريا، وبالتالي سيلعب حل هذه القضية دورا إيجابيا في خروج سوريا من وضعها المتأزم الراهن.
ويبدو أن الحل الأكثر واقعية وملاءمة لروح العصر بالنسبة لشمال وشرق سوريا وكافة المناطق السورية في ظل الظروف الموضوعية والذاتية في سوريا هو الإدارة الذاتية الديمقراطية لكافة المكونات السورية من خلال الحكم اللا مركزي ، والمستند إلى المقاييس التعددية وحقوق كل المكونات دون المساس بالحدود السياسية للدولة، وفي إطار وحدة وتآخي الشعوب في سوريا، ويعتمد في عمقه على بناء الأمة الديمقراطية، والسلم الأهلي والعيش المشترك بين جميع المكونات بكافة أطيافه ومعتقداته الدينية والعرقية ، وتنظيم المجتمع الديمقراطي، وخلق المواطنة الحرة.

والخلاصة بهذا الشكل نستطيع القول أن حل الأزمة في سوريا بحاجة ماسة لهكذا مشروع أي (الإدارة الذاتية ) كي يستطيع النظام إنقاذ نفسه وسوريا من المخاطر التي قد تودي به ألي الهاوية نتيجة إفلاس مخططاته في طمس إرادة الشعوب وليس هناك حل سوى دعوة لعقد مؤتمر وطني على مستوى البلاد، يضم كافة القوى الوطنية والديمقراطية بكافة مكوناته ومذاهبه العرقية والفكرية ، ويتم فيه وضع عقد اجتماعي جديد كوثيقة للمصالحة الوطنية بين المكونات التي تخص مستقبل سوريا والشعب السوري بأكمله، ومن ضمنها القضايا المتعلقة بدول الجوار وكيفية التعامل معها وحل القضايا المتعلقة بها للخروج من هذه الأزمة بعد عقد من عمرها خلفت وراءها مئات الألاف من الضحايا والملايين من المهجرين إلى دول الجوار .

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

زر الذهاب إلى الأعلى