آراء

الادارة الذاتية في شمال سوريا نموذج ممكن البناء عليه..

عاشت معظم دول المنطقة، وسوريا بالتحديد وما زالت مرحلة صعبة من سياسة الهيمنة والالغاء والتهميش لكافة المكونات العرقية والدينية، في سوريا كانت المعاناة بالغة نتيجة هيمنة وتفرد وديكتاتورية الحزب الواحد، الذي تحول من حزب سياسي الى جهة دينية متسلطة، على مفاصل الحزب والسلطة، حتى اندلاع الانتفاضة الشعبية، عام 2011، التي اندلعت حين بلغ الاحتقان من سياسات السلطة الحاكمة حداً لا يوصف، نتيجة التمييز في المعاملة بين مكونات الكيان السوري، الدينية منها والعرقية، فكانت النتيجة تراكم الثروات والخدمات والمواقع الرسمية في يد مكون متسلط، مما يعني غياب وانعدام وجود الدولة الوطنية الحاضنة لجميع مكوناتها ومواطنيها، ومع غياب الشعور بالمواطنة تغيب العدالة وتضمحل الثقة بالنظام.. وممارساته وقراراته.. وحتى اهدافه وتطلعاتعه.. وارتفع منسوب الاعتقالات والتعذيب والتمييز الديني والعرقي، وانتشر الفساد والرشوة وسوء توزيع الثروة والانماء المتوازن.. وتوجه المواطن السوري من مناطق الريف نتيجة الاهمال وسوء الادارة الى المدن بحثاً عن فرصة عمل وحياةٍ افضل، مما فاقم من حدة الازمة الاجتماعية، مع تراجع مستويات الدخل وارتفاع معدل البطالة وغياب مشروع تنموي حقيقي، يساعد ابناء الريف على البقاء في اراضيهم وتنمية زراعتهم.. كما كان وما زال يتم تطبيق قانون التجنيد الاجباري كوسيلة لاستيعاب الشباب في قطاع غير منتج، بدل ان تتم مساعدتهم على رفع مستوى دراستهم والاستفادة من طاقتهم بما يساعد الوطن السوري على التقدم والتطور في مختلف المجالات الصناعية والزراعية والسياحية.. والحل يكمن في بناء جيش وطني محترف يحمي الوطن والشعب والسيادة..

وما زاد الامر سوءاً هو اعطاء الانطباع بان سوريا هي وطن قومي عربي، مع وجود عدد مهم ووازن ولا يستهان به من القوميات الاخرى وخاصةً القومية الكردية، التي بقيت محرومة من حقوقها حتى الانتفاضة الشعبية مطلع القرن الواحد والعشرين..؟؟ مما جعل الوطن والكيان السوري في موقع المواجهة الداخلية بين عرقيات وقوميات مختلفة، الى جانب المواجهة والصراعات الدينية التي اسس لها اسلوب النظام في ترسيخ السلطة في يد مجموعة دينية سورية..؟؟

الثورة السورية كشفت عمق الخلاف والاختلاف، وان الاستمرار في متابعة هذا النهج غير ممكنة، وان التغيير ضروري للخروج من دوامة الازمات والمواجهات والصراعات، ولكن على اسس موضوعية تعالج صميم المشكلة وجذورها وليس بالشكل فقط..ولكن مع الاسف تحولت الانتفاضة على ظلم النظام وممارساته، نتيجة محاولات خبيثة لحرف الانتفاضة عن وجهتها الحقيقية الى صراع ديني وطائفي ومذهبي، وحتى الى  مواجهة عرقية احياناً..

لكن اللافت كان المشهد في شمال شرق سوريا، إذ عقب ظهور تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)..  تم في عام 2015، الاعلان عن تأسيس قوات سوريا الديموقراطية، في مدينة القامشلي، لمواجهة الفوضى التي اصابت الساحة السورية، والى اعادة تصويب بوصلة الصراع بانه ليس طائفياً او مذهبياً او عرقياً بل هو صراع على تحديد مستقبل وجهة الدولة السورية والشعب السوري وتأكيد سعيه على تحرير سوريا من الفساد والفوضى والمحسوبية ونظام الحزب الواحد.. وترسيخ الديموقراطية واحترام التعددية.. واصدرت قيادة الادارة الذاتية بياناً للتعريف عن نفسها ورد فيه إن قوات سوريا الديموقراطية هي (قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين تجمع العرب والكرد والسريان وكافة المكونات الاخرى).. وبالتالي فإن مضمون هذا التعريف يدل على ان التعاون بين هذه المكونات الدينية والعرقية هو لبناء وطن وترسيخ استقرار وتقديم خارطة طريق للخروج من نفق المواجهات والصراعات والتعاون لبناء دولة المواطنة والعدالة والحق التي يخضع فيها الجميع لسيادة القانون ويتمتع فيها كل مواطن بالحقوق نفسها وعليها كافة الواجبات التي يخضع لها كل مواطن..

وهذا ما نشهده اليوم في تلك المنطقة التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية، (قسد).. حيث تنعم بالامن والاستقرار وتختفي مظاهر المواجهات والتفرقة والتباين والصراعات بين مختلف المكونات التي تعاهدت على التعاون وبناء سوريا جديدة تقوم على العدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان..

********

يحاول البعض ان يصور ان الادارة الذاتية، في شمال سوريا،تعتبر مشروع ومخططعملية انفصالية، وعلى انها مقدمة مدروسة تهدف لتفتيت الكيان السوري، الى دويلات طائفية وعرقية متعددة، ولكن لا يمكن الرد على هذه الاتهامات الا بما تقوم به الادارة الذاتية في شمال سوريا والمتمثلة بالممارسة الموضوعية والوطنية وغير المنحازة الى بيئة او اخرى او مكون عرقي او ديني في مواجهة مكونات اخرى.. فالعقد الاجتماعي الذي تم التوافق عليه لا يهدف لاستبدال سلطة فاسدة بأخرى مشابهة.. وقد برزت اهمية هذا العقد الاجتماعي وجديته وتقدمه من خلال تعاون هذه المكونات الوطنية ضمن المجتمع السوري، وفي شمال سوريا بالتحديد، مما اعاد تصويب وجهة الصراع وطبيعته بأنه ضد الظلم والتفرد والتسلط، وأن بالامكان رسم مستقبل سوريا على قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص، وان تكون الدولة السورية مدنية في دستورها ومضمون قوانينها، وان تكون الدولة ومؤسساتها خارج اطار المحاصصة والتقاسم بين القوى الطائفية او العرقية المهيمنة على حساب طوائف ومذاهب واعراق اخرى تعتبر الاقل حظاً او ان تكون مستهدفة بحكم حجم حضورها الديموغرافي .. مما يسمح للبعض من محاور التفتيت باطلاق الدعوات او السعي الخبيث لبناء تحالف الاقليات في منطقة الشرق الاوسط، مما يضع المنطقة برمتها امام صراعات دينية وعرقية مفتوحة لعقود قادمة، كما ان هذه التحالفات تسمح للدول الخارجية بالتدخل والتلاعب بالديموغرافيا وترتيب وتشكيل وتركيب الانظمة التي تخدم مشاريعها وكذلك حدودها الجغرافية ودورها الوطني والاقليمي.. وهذا ما جرى بالفعل سواء نتيجة سلوكيات النظام الحاكم في سوريا والذي ما زال يعيش الماضي ولم يتعلم من الثورة الشعبية التي اندلعت عام 2011، ولم تنته فصولاً بعد وبالرغم من وجود جيوش وميليشيات دول عدة اقليمية ودولية على الاراضي السورية الا ان التعامل مع الواقع الوطني السوري لا زال محكوماُ بنظرة قاصرة عن فهم ما جرى ورسم مسار الخروج من نفق الازمة… او يزرع الفوضى من خلال تأجيج الصراعات المسلحة تحت عناوين ومسمات مختلفة دون افق حل او تسوية ممكنة، وكان لظهور التطرف الديني الذي كرسته حركة (داعش) اثراً سلبياً بالغاً على واقع العلاقة بين المكونات السورية وحتى خارج الحدود السورية، واصبح التقسيم الديني والعرقي مرتبطاً بمفاهيم هذه التنظيم الذي اعتبر ان علاقته بالشعب السوري تقوم على تحقيقه فرض نمط حياة معين على المواطنين السوريين، وان العلاقة مع اي مكون سوري اخر انما تقوم على الخضوع والاستسلام والرضوخ لشروطه، وليس على قاعدة الاحترام والتفاهم والتعاون وبناء الثقة وترسيخ الاستقرار لبناء دولة معاصرة تحترم الانسان في فكره وثقافته وتحترم انتماءه وخصوصياته وحقوقه كمواطن..

لذلك فإن تجربة الحكم الذاتي في شمال سوريا يجب دراستها بعناية والاستفادة منها في استخلاص العبر وترسيخ ما يمكن اعتباره نجاحاً في قدرتها على صهر المكونات في اطار وطني جامع، وتصويب ما يمكن النظر اليه على ما يعتبر اخطاء في الممارسة او التوجه، والعمل على تحسين المسار وتطوير الادبيات والسلوكيات بحيث يكون اقرب ما يكون الى الصواب وخدمة بناء وطن يعيش فيه جميع ابنائه بوئام وسعادة وتجانس.. وبالتالي يمكن حينها تعميم التجربة على مختلف الاراضي السورية، المتنوعة في مكوناتها العرقية وخليطها الديني..

*****

صحيح ان قوات سوريا الديموقراطية قد تم تأسيسها بدايةً لمواجهة اخطار تنظيم الدولة الاسلامية (داعش).. ومنع الانتقال من سلطة النظام والحزب والمكون الواحد الذي يمثله النظام الحاكم في سوريا، الى نموذج مشابه اخر، لا يختلف عنه كثيراً ولكن بتسمية اخرى، وربما قد يكون منه اكثر تشدداً وبطشاً وظلماً.. الا ان المشهد المتنوع الذي رسمته الادارة الذاتية من القدرة على المزج بين مختلف المكونات في ادارة شؤون منطقة شمال سوريا، قد اكد قدرة هذه المكونات على تعميق مفهوم العيش المشترك في بيئتها، خاصةً وان شعوب هذه المنطقة تتميز بثقافات متشابهة وعادات متقاربة، وواجهت صعوبات مشتركة وعانت من ظلم وقهر متراكم، وعملت طوال قرون وعقود على مواجهة مصاعبها وتجاوز المحن والتهديدات مهما كانت طبيعتها.. سواء كانت داخلية او اقليمية..

ومن الملاحظ ايضاً ان بعض الدول التي كان لها تاريخ استعماري وتعتبر من الامبراطوريات التي تراجعت واندثرت، ا لا تزال الى اليوم تشعر بالحنين لاستعادة الماضي من حيث الدور والحضور، وتحمل في فكرها وثقافتها شيء من الاستعلاء والمفاهيم الفوقية التي تجعلها تتعامل مع الشعوب الاخرى والكيانات التي نشات عقب هزيمتها او انتهاء حضورها السياسي والعسكري الاستعماري باستخفاف ودون احترام لثقافتها وعاداتها ورغبتها في بناء دولتها .. كما نلاحظ انها تتملكها الرغبة بالتوسع الجغرافي والاقتصادي، وممارسة الاخضاع السياسي على حساب هذه الشعوب واستقرارها وتطورها الاقتصادي واستقرارها الاجتماعي..  لقد اصبح من الواضح بعد اعوام من الصراع الدموي والانقسام السياسي والتباين الاجتماعي، والتلاعب الجغرافي والديموغرافي، ان الاخطار التي تهدد اوطاننا واحدة وان مواجهتها هي مسؤوليتنا جميعاً وان الانخراط في بناء دولة مدنية في قوانينها وديموقراطية في دستورها ونظامها السياسي.. يزيد من فرص التفاهم والتعاون بين مختلف المكونات الوطنية وان انشاء احزاب وطنية تسعى لترسيخ مفهوم المواطنة والتنافس على خدمة الوطن ومختلف فئات الشعب دون محاباة او تمييز يؤدي بنا الى الاستقرار والتطور والتقدم..والى انصهار الجميع في مشروع وطني وبناء وطن يحتضن الجميع والتنافس فيما بينها يكون على خدمة الوطن والشعب وكيفية تقديم الافضل له..

****

إن من الملاحظ ايضاً ان قوات سوريا الديموقراطية، عبارة عن مزيج من مختلف مكونات منطقة شمال سوريا، مما يعني ان التناغم والتفاهم والتعاون قائم بين هذه المكونات المختلفة وهذا ما ساعدها على تشكيل قوات مشتركة ومختلطة تحت قيادة واحدة، لتشكل نموذجاً مثالياً لشكل وطبيعة سوريا المستقبلية التي تقوم على التعددية والكفاءة، واحتضان ابنائها دون تمييز، والتي تعتبر ان عقيدة قواتها هي حماية الوطن وسيادته وارضه وشعبه وليس الرئيس والحزب.. والاداء المتكافيء والمتوازن، والوطني والعادل، يزيد من مستوى الثقة بهذه القوات وقيادتها السياسية والعسكرية وبالتالي تستطيع هذه القوات حماية وجودها وشعبها وكسب ثقة الداخل كما الخارج ايضاً وتحد من ثقافة التطرف والانقسام العامودي بين المكونات الدينية والعرقية..

وهذا الواقع يشكل مقدمة موضوعية للانطلاق نحو بناء مستقبل سوريا التي تمثل نموذجاً يقتدى به في منطقة الشرق الاوسط..

لـ “حسان القطب” مدير المركز اللبناني للابحاث والاستشارات ..

مقالة من المركز اللبناني للإبحاث والاستشارات

رابط المقالة:

http://center-lcrc.org/index.php?s=4&id=38691

زر الذهاب إلى الأعلى