وحدة الصف الكردي مطلَبٌ وجوديٌّ

كرديار دريعي

في ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، لم يعد الحديث عن وحدة الصف الكردي مجرد شعار عاطفيّ أو مطلب أخلاقيّ، بل أصبح ضرورة سياسية واستراتيجية لحماية الوجود والحقوق والمكتسبات. فالمخاطر التي تحيط بالقضية الكردية اليوم ليست عسكرية أو جغرافية فحسب، بل فكرية وإعلامية ونفسية، تستهدف الوعي الجمعي وتعمل على تفكيك المجتمع من الداخل. التجارب العالمية تثبت أنّ الشعوب التي تعيش قضايا مصيرية لا تملك ترف الانقسام. فالمطلوب اليوم هو خطاب وطنيّ جامع، يعترف بالتعدّدية السياسية، ولكنّه يلتقي على الثوابت الأساسية؛ كحماية الوجود الكردي، وحقوق الكرد، والدفاع عن المكتسبات السياسية والإدارية، ورفض التبعية لأي مشروع خارجي وأجندات الدول الاقليمية المعادية على حساب المصلحة الكردية. إنّ وحدة الصف الكردي ليست خياراً تكتيكياً مؤقّتاً، بل شرط أساسي لأي مشروع مستقبلي؛ لذلك فإنّ القوى الكردية الواعية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحمّل مسؤولياتها التاريخية، والعمل على تحصين البيت الكردي من الداخل، لأنّ أقوى الجبهات هي تلك التي تبنى على الثقة والوحدة والوعي؛ فهل يمكن للقوى الكردية اليوم أن تتجاوز الخلافات البينية، وتحقّق حلم الشعب الكردي في بناء وحدة قوية، أو عقد مؤتمر كردستاني شامل يحدّد الاهداف والاستراتيجيات والحلّ الانسب للقضية الكردية وسط أمواج التغيير في الشرق الاوسط عامة؟

الشرق الأوسط القديم ينتهي والجديد يتشكل:

إنّ مقولة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام “نحن على أعتاب أكبر تغيير في الشرق الأوسط منذ 1000 عام” لا يمكن قراءتها في إطار التكهّنات أو التوقّعات، وهي صادرة من شخصية بارزة وفي مواقع القرار الأمريكي، وإنّما يجب قراءتها في إطار ما يشهده الشرق الأوسط من تغييرات متسارعة وحروب منتشرة وتزايد الصراعات الدينية والعرقية، وصراع المشاريع الإقليمية والدولية، خاصة صراع المعابر (معابر الطاقة والتجارة)، وما نشهده من صعود الحركات الجهادية السلفية، وتراجع الاهتمام الدولي بمسائل حقوق الشعوب والديمقراطية وحقوق الانسان، وانصباب الاهتمام الدولي حول مَن يلعب أو يقوم بدوره الوظيفي في تحقيق وحماية مشاريعه، وقد شهدنا خلال السنوات الماضية كيف أنّ الشعوب تتعرّض للإبادات، والدول تدخل في حروب أهلية، والأقلّيات الدينية والعرقية تتعرّض للمجازر، من دون أن تكون هناك آفاق لإنهاء تراجيديا الشرق الأوسط ؛ لأنّ كل ذلك ما هو إلّا مخاض ولادة شرق أوسط جديد من رحم الشرق الأوسط القديم الذي بات يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ فالتغيير الكبير الذي تحدّث عنه السيناتور ليندسي غراهام إنّما هو زلزال التحوّلات والتغييرات الذي يضرب المنطقة، والذي لن ينجو منه إلّا من استطاع قراءة المرحلة بواقعية، وواجه ارتداداتها باستعدادات تامّة؛ فلا مكان في الشرق الأوسط الجديد للضعفاء ولا لمَن يخطئ قراءة اللحظة التاريخية.

الكورد وسط التغييرات في الشرق الأوسط:

لم تكن الترتيبات التي حدثت بعد الحرب العالمية الأولى في الشرق الاوسط مجرّد تقاسم الدول الكبرى للمنطقة، وإنّما كانت هندسة مدروسة، وتم تشكيل دول جديدة ليس وفقاً لتطلّعات الشعوب، وإنّما وفقاً للدور والوظيفة المرجوّة من هذ الدول المتشكّلة بما يحقّق المصالح الاستراتيجية السياسية والاقتصادية للدول الكبرى، وما تقسيم الشعب الكردي ووطنه كردستان بين أربع دول (تركيا وإيران والعراق وسوريا) إلّا هندسة مدروسة، بحيث تبقى هذه الدول مهدّدة بشكل دائم من القضية الكردية، وفي حالة صراع دائم تُبقي هذه الدول رهائن وأدوات وظيفية، معرَّضة للتصدّع بمجرّد الفشل في أداء الدور والوظيفة أو الخروج عمّا هو مرسوم لها، لذلك بقيت القضية الكردية معلّقة دائما، لا يُسمح بالقضاء عليها وفي نفس الوقت لا يُسمح بصعودها أو انتصارها.

اليوم وبعد أن باتت تلك الهندسة السابقة عائقاً أمام مشاريعها في الشرق الاوسط، ولا بدّ من هندسة جديدة تلبّي استراتيجياتها الجديدة، فإنّ القضية الكردية لا يمكن لها أن تبقى مهمّشة، وسيتغيّر دورها أيضاً في معادلات الشرق الأوسط، غير أنّ مستوى الدور يظلّ مرتبطاً بمدى تحوّل الكورد من أدوات الى فاعلين سياسيّين ومؤثّرين في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، وتحوّلهم مرتبط بالدرجة الأساسية بمدى تلاحمهم ووحدتهم وقدرتهم على طرح مشروع كرديّ جامع؛ فالبيئة السياسية في المنطقة شهدت تغييرات كبيرة، وهناك إعادة تشكيل كبرى في الشرق الأوسط، حيث تراجعت مركزية بعض الدول التي تقاسمت كردستان بعد الحرب العالمية الأولى (العراق وسوريا)، وإلى جانب تراجع مركزية هذه الدول فإنّ هناك صعوداً لمشاريع إقليمية، والكورد يقبعون وسط تلك المشاريع، كالمشروعين الإيراني والتركي التوسّعيَّين، كما أنّ هناك صعوداً للمشاريع الأخرى (الإسرائيلية والأمريكية)، وهذه المشاريع تتنافس في المنطقة، كما أنّ أولويات القوى الدولية في الشرق الأوسط باتت تتغيّر، ومن إحدى نتائج هذا التغيير كان تراجع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ودورها في محاربة الإرهاب، وصعود حكومة دمشق، رغم خلفيتها الإسلامية الجهادية، كمحاربة للإرهاب وتمكينها من التوسّع في السيطرة وتهديد مكتسبات الكورد في روجافا. هذا الواقع وهذه التغييرات خلق فراغاً سياسياً وأمنياً يضع الكورد في كردستان بأجزائها الأربعة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإمّا التوحّد وفق رؤية مشتركة والتحوّل الى مؤثّرين وفاعلين في رسم مستقبل المنطقة، أو أن يصبحوا مجرّد أدوات في صراع مشاريع الآخرين، سواء التركية أو الإيرانية أو الإسرائيلية أو الأمريكية.

هل تشكّل وعي قوميّ سياسيّ كرديّ أكثر نضجاً، أم أنّه ما زال في طور التبلور؟

كانت هناك مساعٍ ودعواتٍ من أطراف كردستانية عديدة إلى ضرورة وحدة الصف الكردي سابقا، وعلى الرغم من جدّية بعض تلك النداءات، إلّا أنّ معظمها بقيت كمجرد دعاية لتلك القوى، أودغدغة مشاعر الشارع الكردي لكسبها، غير أنّ التطوّرات الدراماتيكية في سوريا، والهجمة الوحشية من قبل حكومة دمشق المؤقّتة بغطاء إقليمي وصمت دوليّ ضدّ روجافا في كانون الثاني 2026؛ قد شكلت لحظة مفصلية في الوعي الكردي (كحركات سياسية وكشعب)، إذ وضعت الجميع أمام مسؤوليات تاريخية ارتبطت بالوجود والأمن القومي الكردي في عموم كردستان، في استشعار بأنّ الوجود الكردي نفسه مستهدف، ليس في روجافا فحسب وإنّما في باشور وباكور وروجهلات أيضاً، لذلك فإنّ ما حدث من تقارب بين روجافا وباشور كردستان، وخروج عموم الشعب الكردي في أجزاء كردستان والعالم في مظاهرات عارمة في تجسيد لوحدة مصير الشعب الكردي، إلى جانب الرسائل التي أرسلها السيد عبدالله اوجلان إلى القوى الكردية، ودعوته مؤخّراً لعقد مؤتمر وطني كردستاني جامع، وإعلان القوى الكردية في روجهلات تشكيل جبهة موحّدة؛ تُعَدّ مؤشّرات على تشكّل وعي قوميّ سياسيّ كرديّ أكثر نضجاً، لكنه ما زال في طور التبلور ولم يتحوّل بعدُ إلى سياسة كردية مشتركة مكتملة الأركان، فقد بات هناك تنسيق بين القوى الكردستانية، وإدراك مشترك للخطر الوجودي على الشعب الكردي، فالحديث عن ضرورة وجود مرجعية كردية في روجافا، وإذا ما أضفنا إليها دعوات السيد أوجلان ورسائله للقوى الكردية حول الوحدة الاستراتيجية، لا التنظيمية، وسعيه لخلق لغة سياسية مشتركة، والتنسيق بين قادة روجافا وقادة باشور؛ لهي مؤشّرات على إمكانية بناء مرجعية وسياسة كردستانية شاملة، فاليوم هناك وعي قوميّ بوحدة المصير، وهناك شكل من أشكال التنسيق، وتراجع لغة التخوين؛ وكلّها إشارات إيجابية، غير أنّ المستوى الاستراتيجي والوصول الى رؤية موحّدة حول شكل حلّ القضية الكردية لم تتبلور بعد؛ وذلك يعود إلى أسباب عديدة، منها: التنافس على الشرعية في تمثيل الشعب الكردي في الأجزاء المختلفة من كردستان، والتباين الأيديولوجي بين القوى الكردية، والارتباطات الإقليمية، والضغوط التركية الكبيرة وسعيها الدائم لإفشال أي تقارب كردي من خلال أدواتها ووسائلها العديدة وتهديداتها المباشرة، إلى جانب استغلال ولعب القوى الدولية على التناقضات بين القوى الكردية حسب مصالحها. فهناك تشكّل وعي قوميّ سياسيّ كرديّ أكثر نضجاً، لكنّه ما زال في طور التبلور.

السيناريوهات المحتملة:

  • تجاوز القوى الكردستانية لخلافاتها السابقة، كمسائل الشرعية والتمثيل والإيديولوجيا، والتوجّه نحو التكامل بدل التنافس، والاعتراف بالتعدّدية، وتنسيق المصالح، وتوزيع الأدوار بين القوى الكردستانية، وبناء إطار تنسيقيّ كرديّ عام، وتقديم القضية الكردية كقضية ديمقراطية عادلة لكل شعوب المنطقة، أي تشكّل سياسة كردية موحّدة.
  • بقاء القوى الكردية على حالة الانسجام تحت ضغط الرأي العام الكردي، والتنسيق الجزئي دون تبلور ذلك لتحقيق وحدة الصف الكردستاني، لتباين المصالح والإيديولوجيات والعلاقات الإقليمية والدولية،
  • تغليب المصلحة الحزبية والشخصية الضيّقة لدى بعض القوى الكردية، والعودة الى التنافس والصراع تحت ضغط القوى الإقليمية وتدخّلاتها؛ ممّا يعرّض القضية الكردية في الأجزاء الأربعة لبقائها كأداة لمشاريع تلك الدول، وبقاء القوى الكردية كمنفعلين لا فاعلين في رسم مصير المنطقة.

كنتيجة:

التغييرات الكبرى التي تحدث في الشرق الأوسط تمسّ مستقبل الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة بشكل مباشر؛ فإمّا “لوزان” جديد بل وأخطر من لوزان 1923 سيتكرّر ضدّ الشعب الكردي وقضيته، ويقصيه عن أيّ دور ووجود في ترتيبات الشرق الأوسط الجديد المتشكّل، أو أن يتوحّد الكورد ضمن مؤتمر كردستاني شامل، ويحدّدون رؤية وسياسة مشتركة كردستانية تحوّلهم الى فاعلين لا منفعلين وسط ترتيبات المنطقة، غير أنّ ما يجري اليوم هو بداية تشكّل وعي كرديّ جامع، لكنّه لم يتحوّل بعدُ إلى مشروع سياسي موحّد. فالفرصة التاريخية موجودة، ولكنّ نجاحها مرهون بـقدرة القيادات والقوى الكردية على تجاوز الحسابات الضيّقة وبناء مؤسّسات مشتركة لا مجرّد تفاهمات ظرفية.

زر الذهاب إلى الأعلى
404 Not Found

Not Found

The requested URL was not found on this server.


Apache/2.4.58 (Ubuntu) Server at mangsud.haxor-research.com Port 443