دراسات وتحليلات

تركيا، الهروب الى الأمام

 ليس التدخل التركي في شمال سوريا أمر طارئ أو حدث مستجدّ جرى في  المرحلة الحالية نتيجة الأحداث والحرب الدائرة في سوريا منذ بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، بل إنّ جذور التدخل التركي تمتد إلى مراحل زمنية بعيدة وإنّ الأطماع التركية في المناطق المجاورة لها بشكل عام لم تتوقّف منذ نشأة الدولة التركية الحديثة بعد ضعف الإمبراطورية العثمانية وانهيارها، فلا غرابة في أنّ تتربّص تركيا بالجوار المحيط بها وخاصة في الجهة الجنوبية من حدودها وتستغلّ الفرص للتدخّل والسيطرة، ومن هذا المنطلق فإنّ التدخل التركي في شمال وشرق سوريا يخبّئ وراءه دوافع كثيرة أهمها:

أولاً- الرغبة في السيطرة على جزء من سوريا ومن خلال هذا الجزء التوغل في المنطقة وخاصة الجهة الجنوبية من تركيا عند الطرف الذي يشمل كردستان وسوريا والعراق، وبما أنّ هذه الجهة هي أضعف الجهات المجاورة لها بنظرها وتشترك معها بحدود بريّة تُعدّ بمثابة ثغور مناسبة تساعد على سهولة السيطرة والدخول المباشر؛ فثمة حلم استعماري توسّعي يراود المسؤولين الأتراك منذ قيام الدولة التركية الحديثة إثر سقوط الإمبراطورية العثمانية، وما زال المسؤولون الأتراك ينظرون إلى كردستان وسوريا والعراق نظرة استعلاء من منطلق التفكير بأن المنطقة كانت في زمن ما تحت سيطرتهم ولا بدّ، بنظرهم، أن تعود الأمور إلى الوضع الذي كانت عليه في السابق.

ثانياً- الدافع الديني والرغبة في تزعّم العالم الإسلامي، فالجوار المحيط بتركيا أغلبه يدين بالديانة الإسلامية، لذلك ترى تركيا أنّ السيطرة على شعوب الدول المجاورة من خلال استغلال الجانب الديني أمر سهل ولا يحتاج إلى استخدام وسائل وحجج صعبة؛ فما دام السلاطين العثمانيون استغلوا هذا الجانب، لماذا لا تستغل هي الآن هذا الجانب أيضاً.

 فمن خلال هذا الدافع نجدها تفرض سيطرتها على الكثير من التيارات الإسلامية في الكثير من الدول العربية كسوريا ومصر وليبيا وفلسطين والصومال، وما يؤكد هذا الدافع هو الارتباط المباشر بين حزب العدالة والتنمية وكل من حزب (الأخوان المسلمون) في سوريا، وحزب (الأخوان المسلمون) في مصر، وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) و(حكومة الوفاق الوطني الليبية)، والكثير من التيارات الإسلامية الأخرى في مختلف البلدان العربية.

 ثالثاً- من الدوافع الأخرى للتدخل التركي أيضاً البحث عن أسواق جديدة للشركات التجارية والخروج من الأزمة الاقتصادية في تركيا؛ فبعد أن فشلت تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وانقطع الأمل من الإفادة من السوق المالي والاقتصادي الموجود في أوروبا بدأت تفكر بأسواق بديلة للاستفادة من المواد الأولية من جهة، ومن أماكن تصريف البضائع التجارية من جهة أخرى، فمن المعلوم أنّ الشركات التجارية التركية قد كبرت وتوسّعت في العقود الأخيرة من القرن الماضي وبدأت تبحث عن أسواق جديدة تغطّي متطلبات التنامي الذي حصل فيها، لذلك وجهت أنظارها نحو الدول المجاورة، فقد بدأت تركيا تستغل الفرص المناسبة للتدخل والسيطرة، إذ إنّ هذه الجهة تشكّل بيئة مناسبة للمواد الأولية إضافة إلى كونها بيئة مستهلكة للمواد الصناعية المتنوعة، وما يزيد في أطماع تركيا في هذه الجهة هو تفكيرها بالتوغّل والوصول إلى عمق الدول العربية من خلال تلك الثغور الموجودة.

رابعاً- ضرب أي توجه ديمقراطي حرّ في المنطقة لمنع الامتداد إلى الداخل التركي، لذلك تسعى إلى أن تبقى المنطقة المحيطة بها على حالها، بل ترغب في أن تسير نحو الأسوأ لئّلا يحدث الاستقرار، على الأقل في المدى القريب، فليس من مصلحتها أن يتم الاستقرار ويعمّ السلام في دول الجوار فقد أدركت منذ انطلاق موجة ” الربيع العربي ” أن هذه الموجة تمتد وتنمو بتسارع وسوف تتخطى الحدود إلى مناطق أخرى ويتم التأثير في الكثير من شعوب الدول المجاورة لذلك بدأت مخاوف تركيا تزداد تحسُّباً لأي انفجار ثوري من قبل الشعب التركي للمطالبة بالتغيير والديمقراطية فمن المعلوم أن حزب العدالة والتنمية بدأ يستأثر بالسلطة في تركيا في السنوات الأخيرة ويعمد إلى ضرب أيّ توجّهٍ مخالف لتوجهه ويستخدم شتّى الأساليب للفوز في الانتخابات والتفرّد بالسلطة كالعمل على تزوير النتائج وشراء الأصوات في الانتخابات وتلفيق التهم الباطلة بالأحزاب المعارضة وقياداتها وزجّ البعض من القيادات بالسجن كما في تصرّفه مع حزب الشعوب الديمقراطي ورئيسه السيد صلاح الدين دمرداش؛ وإنّ هذا السلوك من قبل حزب العدالة والتنمية لا بدّ أن يؤدي إلى وقوف القوى المعارضة في تركيا في وجهه ورفض أساليبه غير القانونيّة في الاستفراد بالسلطة. لذلك تحاول الحكومة التركية، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، قطع الطريق أمام المعارضة بتحويل المشاكل إلى خارج حدودها وإلهاء الشعب التركي وقواه السياسية عن المشاكل الداخلية ومحاولة التلويح بالأخطار الخارجية المتربصة بأمن تركيا.

خامساً- ضرب القضية الكردية وتضييق الخناق والعمل على القضاء عليها قدر الإمكان وذلك بسبب شعورها بأن القضية الكردية لم تعد مشكلة داخلية في أي دولة من الدول التي توجد فيها هذه القضية، وتركيا كونها إحدى هذه الدول، فهي تحاول جاهدة ألّا يكون للكرد في سوريا أيّ دور يعزّز الموقف الكردي في المجتمع السوري خاصة عندما شعرت بأن للكرد موقفاً مختلفاً عن كل من موقف المعارضة وموقف النظام السوري.

الجدير بالذكر أنّ مخاوف تركيا بدأت تزداد أكثر عندما تشكلت الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا وبدأت بوادر كيان ديمقراطي في سوريا تظهر على الساحة وتستقطب أنظار المجتمع السوري في المناطق الأخرى كما تستقطب أنظار المجتمع الدولي للنظر إلى هذه التجربة والوقوف عند الإنجازات المهمّة التي تحققها.

 

                                                         

 

زر الذهاب إلى الأعلى