قراءة في تصريحات توم برّاك والتحوّلات الجيوسياسية في منطقتنا

عندما تتحدّث شخصية مثل توم براك، رجل الأعمال الأمريكي البارز والسفير الأمريكي في تركيا ومبعوث الرئيس الأمريكي إلى سوريا، عن نهاية دور قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مكافحة الإرهاب، فإنّ الأمر لا يقتصر على مجرّد رأي شخصي، بل هو مؤشّر على التحوّلات الأعمق في الاستراتيجية الأمريكية وموازين القوى الإقليمية.
فتوم برّاك، الذي لعب دوراً في سياسات الشرق الأوسط لعقود، يعكس في تصريحاته سياسة الرئيس الأمريكي.
وإذا ما تعمّقنا أكثر فإنّ توم برّاك ليس مجرّد رجل أعمال، بل هو شبكة تأثير متشعّبة.
كونه رئيساً سابقاً لشركة كولونيال كابيتال، ومقرّباً من عدد من الرؤساء الأمريكيين، وإنّ كلماته غالباً ما تُفسّر على أنّها صدى للتيارات داخل الإدارة الأمريكية أو على الأقل لأفكار تجري مناقشتها في الغرف المغلقة. وفي سياق سوريا، تربطه علاقات مع أطراف إقليمية مختلفة وعلى رأسها تركيا، ليس بوصفه سفيراً لأمريكا في تركيا بل بوصفه شريكاً تجارياً لأردوغان، ما يجعله قناة غير رسمية لنقل رسائل أو استشعار توجّهات.
وفي المقابل، تأسّست قوات سوريا الديمقراطية في عام 2015 كتحالف قوات بقيادة وحدات الحماية الشعبية الكردية (YPG)، وبدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم (داعش).
وخلال السنوات اللاحقة، كانت قسد هي الذراع الأرضي الأساسي للولايات المتحدة في سوريا، حيث سيطرت على مناطق شاسعة شرق الفرات وحيّدت الآلاف من المقاتلين التابعين لتنظيم داعش. وكانت الشراكة مع واشنطن ضمانة أمنية ضد التهديد التركي والتمدّد الإيراني والنظام السوري.
وتصريحات برّاك عن نهاية دور قسد لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج تراكم عوامل عدّة، أهمّها:
1- التحوّل الكبير في الأولويات الأمريكية:
فبعد الإعلان عن هزيمة داعش إقليمياً (رغم بقاء خلاياه النائمة)، بدأ التركيز الأمريكي ينتقل من مكافحة الإرهاب إلى المواجهة مع إيران والمنافسة مع روسيا.
وفي هذا الإطار، قد تُرى قسد شريكاً أقلّ أهمية في الاستراتيجية الأوسع.
2- الضغط التركي المستمر:
حيث تعتبر تركيا وحدات حماية الشعب (العمود الفقري لـقسد) امتداداً لحزب العمال الكردستاني. ومارست أنقرة ضغوطاً دبلوماسية وعسكرية متواصلة لدفع الولايات المتحدة للتخلّي عن دعم قسد.
وقد تكون تصريحات برّاك انعكاساً لنجاح جزئي لهذه الضغوط.
3- التعقيدات الداخلية السورية:
حيث تواجه قوات سوريا الديمقراطية تحدّيات في إدارة المناطق الواسعة التي تسيطر عليها، خصوصاً مع وجود خلافات مع بعض الأطراف من المكوّن العربي.
4- قبول النظام السوري بمحاربة داعش:
وهو السبب الأساسي والأهم لاستغناء أمريكا عن قوات سوريا الديمقراطية.
ويمكن القول أنّ تصريحات توم برّاك، بغضّ النظر عن مدى تمثيلها للسياسة الرسمية، تذكّرنا بطبيعة التحالفات الجيوسياسية المؤقّتة.
لقد تبادلت قوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة تقديم الخدمات لبعضهما بعضاً خلال مرحلة معيّنة، لكن المعادلات تتغيّر. والسؤال الآن ليس عن مصير قسد فحسب، بل عن مصير مناطق شمال وشرق سوريا التي يقطنها ملايين السوريين الذين عانوا من الحرب والإرهاب وعدم الاستقرار.
والأمر الأكثر خطورة هو أنّ مكافحة الإرهاب ليست مهمّة تنتهي بإعلان النصر، بل هي عملية مستمرّة تحتاج لبنىً أمنية ومؤسساتية مستقرّة.
وأيّ انتقال يجب أن يكون مدروساً لتجنّب عودة التنظيمات المتطرّفة من البوّابة نفسها التي دخلت منها أول مرّة.
وفي النهاية، قد تكون العبرة الأكبر هي أنّ الحلفاء المحلّيين في الصراعات المعقّدة غالباً ما يتحوّلون إلى أعباء استراتيجية عندما تتغيّر الأولويات الكبرى، وهو درس تاريخي تطلقه واشنطن مرّة أخرى على الأرض السورية.
لاشكّ في أنّ القرار الأمريكي بتقليص دور قسد سيُضعف الموقع التفاوضي لقسد بشكل كبير، ويجبرها على مفاضلة صعبة؛ فإمّا القبول بشروط النظام السوري والتي قد تهدّد مكاسبها السياسية والثقافية، أو المخاطرة بمواجهة عسكرية متعدّدة الجبهات (تركيا، النظام، فصائل معارضة).
والأرجح أنّ المسار سيكون تفاوضيًا، لكنّه سيكون تفاوضًا غير متكافئ، حيث سيتنازل الكرد عن الجزء الأكبر من طموحاتهم السياسية مقابل ضمانات أمنية أساسية ووجود إداري محدود. والمستقبل الكردي في روجآفا سيصبح مرتبطًا بمدى مرونة النظام السوري وضغوط أمريكا، أكثر من ارتباطه بالقوة العسكرية لـقسد نفسها.
وبدون حماية التحالف الدولي، ستكون قسد عرضة للعمليات التركية، واحتمال توسّع العمليات العسكرية التركية لاحتلال مناطق إضافية.
وضعف القدرات العسكرية سيؤدّي الى صعوبة مواجهة الهجمات المحتملة من تنظيم داعش أو فصائل مسلّحة معارضة.
ولابدّ من التحوّل في الأولويات، فقد تضطرّ قسد إلى إعادة هيكلة أولوياتها من مكافحة الإرهاب إلى ترك المناطق العربية والدفاع عن المناطق الكردية.
وبكلّ الأحوال، لا مخرج من هذه الأزمة سوى بالمفاوضات والاتفاق بين الطرفين.



