هل تورطت أمريكا في حرب إيران؟

د. لقمان عبدالله

إنّ مراقبة توقيت وتاريخ الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضدّ إيران والمعسكر الشيعي تكشف عدداً من الملفات المخفية، والتي بدأت تتوضّح للعيان بعد الضربات العسكرية التي استهدفت قادة إيران ومخازن أسلحتها؛ فمن المعلوم أنّ هذه الخطوة جاءت مكمِّلة لنتائج هجوم السابع من أكتوبر وما تبتعها من أحداث تجلّت في استهداف أذرع إيران في المنطقة، خاصة قيادات الصف الأول لحركة حماس وحزب الله، ولاحقاً الرئيس السوري، وأيضاً استهداف الحوثيّين في اليمن، وبعد حرب “الاثنا عشر يوماً” ضدّ إيران كانت الرسالة الأمريكية – الإسرائيلية واضحة في انصياع القيادة الإيرانية للأهداف الكامنة وراء تلك الأعمال؛ فمن الناحية الأمنية جاء التحرّك الإسرائيلي للحفاظ على الأمن القومي لإسرائيل، نظراً لارتفاع حدّة لغة التهديد الإيراني بمحاربة إسرائيل وتهديد وجودها كقوة واقعية في الشرق الأوسط،، أمّا من الناحية الاقتصادية فقد جاء التحرّك الإسرائيلي – الأمريكي للحفاظ على المصالح الاقتصادية لكل من أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وأيضاً لقطع الطريق أمام الاقتصاد الصيني المتنامي والذي يهدّد الاقتصاد الأمريكي في جميع أنحاء العالم، أيضاً من الناحية الأمنية والتجارية يتم تأمين الممرّات التجارية المحدثة وإزالة العراقيل التي تواجه تلك الممرّات، بغية نقل المواد الأولية من الشرق إلى الغرب، وبالتالي نقل المنتجات والأدوات من الغرب إلى الشرق، ومن المعروف أنّ الدول العظمى تسعى دوماً للحفاظ على أمن وسلامة الممرّات التجارية لأقصى مدّة يمكن تحقيقها.

ومن ناحية السيطرة وبسط النفوذ تسعى كل من أمريكا وإسرائيل لبسط نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تغيير الخرائط الجيوسياسية للمنطقة، والعمل على وضع اتفاقية جديدة تحلّ مكان اتفاقية سايكس بيكو التي انتهت المدّة المحدّدة لها، ولا شكّ في أنّ كلًّا من أمريكا وإسرائيل قد اعتمد على العديد من الركائز في حربهما ضدّ إيران، طبعاً تأتي مسألة السلاح النووي الإيراني والتخصيب لأهداف عسكرية في مقدّمة تلك الذرائع التي تحلّل التدخّل العسكري المباشر رغم وجود مسارات ولقاءات تفاوضية بين أمريكا وايران، كما أنّ الإعلام يلعب دوراً محورياً في تقديم الحجج للهجوم، خاصة بعد الحراك الشعبي في إيران ومواجهته بآلة البطش والتنكيل من قبل السلطات الإيرانية.

    ويبرز على الساحة دور القوى والفعاليات الكردية في إيران عاملاً أساسياً في التقارب من الواقع الإيراني؛ فقد لعب الحراك الكردي دوراً بارزاً في مسار الجمهورية الإيرانية عقب تأسيسها على أنقاض الإمبراطورية الصفوية، كما أنّ جمهورية مهاباد قصيرة الأجل كانت أول كيان كردي حقيقي نشأ خلال تاريخ الشعب الكردي بعد الإمبراطورية الميدية، وبالرغم من أنّ المجتمع العرقي في إيران يضمّ العديد من القوميات المختلفة، كالآذريّين والبلوش والعرب وغيرهم، إلّا أنّ المجتمع الكردي يظلّ الملفّ الأكثر حساسية؛ نظراً لتشعّبات الوجود الكردي في المنطقة والبلدان المجاورة، لذا سعت كلّ من أمريكا وإسرائيل لاستغلال الورقة الكردية كعامل ضغط وتهديد لإرضاخ إيران لمطالبهما، ولكن ومع وجود سوابق في التاريخ الكردي وكذلك في الوقت الراهن لم تحظَ دعواتهما باستجابة عملية من قبل القوى والتنظيمات الكردية، بل تركّزت المساعي والجهود الكردية في توحيد الصف الكردي والتحصّن في المناطق الكردية وتحييدها عن الصراع الدائر.

    ونظراً للطبيعة المعقّدة للمجتمع الإيراني، فإنّ الاعتماد على الداخل الإيراني أو حتى على المعارضة الداخلية ليس بالأمر المضمون والبسيط لدى القوى المهاجمة جوّاً، والتي تحتاج إلى وجود قوات برّية تتقدّم على الأرض، كما أنّ وجود تحالف إيراني – روسي – صيني وعدد من القوى الشيعية في المنطقة يزيد من تعقيد الوضع العام، ويدفع باتجاه سيناريوهات غير مسيطَر عليها في تطوّر الأحداث.

 أمّا بالنسبة للجبهة الأوروبية فهناك انقسام واضح في المواقف الأوروبية تجاه الحرب ضدّ إيران، فمن ناحية تُعَدّ الدول الأوروبية المنضوية تحت سقف حلف الناتو داعماً شكلياً محايداً تجاه الحرب، خاصة باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيراتها على الواقع الاقتصادي والأمني في أوروبا، أمّا بريطانيا فإنّ لها الدور الأساسي في حسم مسألة الهجوم ضدّ إيران، إلّا أنّها لم تحسم موقفها بشكل عملي إزاء هذه المسألة، ومن المتوقّع أن تقوم بتحديد موقفها في قادم الأيام، وكذلك يأتي موقف تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، غير واضح الملامح ويسعى دوماً نحو سلوك طريق التفاوض والحل الدبلوماسي بدلاً عن التدخّل العسكري؛ وهو الأمر الذي من شأنه تحريك الملف الكردي داخل تركيا، والتأثير في مسار عملية السلام الجارية بين تركيا وقيادات حزب العمال الكردستاني.

     أمّا بالنسبة للدول العربية، وخاصة دول الخليج العربي، فإنّ مواقفها لا تتعدّى الشجب والتنديد بالاستهدافات الإيرانية لأراضيها؛ الأمر الذي دفع الرئيس الإيراني إلى تقديم الاعتذار لتلك الدول. وبالمجمَل، فإنّ الحسم العسكري إذا لم يكن سريعاً وفعّالاً فستجد أمريكا نفسها أمام موقف صعب، وكذلك إسرائيل نظراً للواقع الأمني داخل إسرائيل جراء استهدافها من قبل إيران، والتهديد باستعمال أسلحة غير متوقّعة خلال الاستهداف في الأيام القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
404 Not Found

Not Found

The requested URL was not found on this server.


Apache/2.4.58 (Ubuntu) Server at mangsud.haxor-research.com Port 443