آراء

تركيا وإيران خبراء التغير الديمغرافي في شمال السوري

أرجين ديركي

منذ اندلاع الأزمة السورية في آذار 2011 م سعت كل من تركيا وإيران لتنفيذ مخططاتهم التوسعية في سوريا فتركيا وبدعم من قطر عبر مجموعات الإخوان المسلمين الذين قرروا إسقاط النظام والسيطرة على مفاصل الحكم في سوريا، إذ وجدت تركيا في المظاهرات المندلعة في سوريا فرصة لتحقيق أطماعها وأحلامها العثمانية الجديدة فتلاقت مصالح الأتراك مع جماعة الإخوان في سوريا وأصبحت الجماعة أداة طيعة بيد تركيا لتحقيق مآربها  على حساب الشعب السوري الأعزل  ،وفي المقابل دخلت إيران على الخط عبر ميليشياتها لتحقيق ما يسمى (الهلال الشيعي) عبر بوابتها العراق لتشييع المنطقة والسيطرة عليها واستنزاف مواردها وطاقاتها فالنظامان التركي والإيراني يختلفان في المذهب ،ولكن هدفهما واحد وهو احتلال المنطقة واغتصاب حقوق مكوناتها واللعب على الأوتار العنصرية والطائفية.

وللعمل على  تحقيق ذلك قامت كل من تركيا  وإيران  بتوظيف المليشيات السنية والشيعية في سوريا ،وبالمحصلة  أدى هذا  التأجيج الى خلق بعد طائفي ومذهبي  أدى إلى حرب أهلية ونتيجة لذلك ظهرت على الساحة التنظيمات المتطرفة وأهمها داعش والنصرة المرتبطة بالقاعدة وغيرها من الجماعات والتي رأت في الدعم التركي شريان الحياة  لها وفي الجهة المقابلة حزب الله وسرايا القدس المدعومة إيرانياً وهدفها القضاء على طموحات الشعب السوري في تغيير نظام الحكم ولتمتد وتستهدف الكرد في مناطقهم البعيدة عن النزاع في بدايات الثورة السورية وحتى العرب أنفسهم لم يسلموا من هذه الصراعات  بين الفصائل والجماعات المسلحة الرافضين لتحول الصراع من إسقاط النظام إلى البعد الطائفي بدعم كل من تركيا وإيران عبر أدواتهما على الأرض ،فالقصف والاقتتال بين الطرفين أدى إلى موجات هجرة كبيرة بين السكان في مختلف المناطق لتصبح سورية أكبر مصدر للاجئين  والنازحين في العالم من عقود وقد تجاوز عددهم أكثر من نصف سكان سورية بين مهجر ونازح ولاجئ.

حيث كان يتم بشكل ممنهج ومخطط له بعناية عبر صفقات تبديل المناطق  بين اللاعبين الأساسيين( روسيا وأمريكا )على الساحة السورية وتركيا وإيران  لإنشاء تغيير ديمغرافي بما يتماشى مع مصالحهم من خلال ضرب لوحة الفسيفساء السورية بكافة الأعراق والمكونات المتواجدة على الجغرافية السورية وإنشاء مناطق متجانسة طائفياً وعرقياً ومعلوم أن أكبر مناطق التغيير الديمغرافي حصلت في بعض مناطق حلب ذات الغالبية الكردية في كلّ من الأشرفية والشيخ مقصود في 2013م عبر  هجوم المجموعات التركية (المرتزقة )على الحيين بتزامن من قصف عشوائي للنظام السوري أدى بالمحصلة إلى نزوح أكثر من 300 ألف شخص منهما، وفي صيف نفس العام أدت الهجمات على تل حاصل وتل عران الكرديتين إلي نزوح عشرات الألاف من سكان هذه المناطق وارتكاب مجازر بشعة بحقهم، وبالتزامن مع هذه الهجمات كانت قوات النظام السوري المدعوم من إيران وميلشياتها تفعل نفس الشيء في المناطق العربية ذو الغالبية السنية إلي الشمال السوري عبر الباصات الخضراء التي أصبحت رمزا للجماعات المسلحة المستسلمة في مناطقها لنقلهم مع عوائلهم إلى الشمال السوري أي إلى إدلب التي تحولت مؤخرا ألي رأس حربه في الهجوم على المناطق الكردية وعلى رأسها عفرين وكري سبي .

جرى ذلك في البداية بدءاً من محافظة حمص في( 2013، 2014) في كل من المدينة وريفها من الرستن وبابا عمر والوعر والقصير وتلكلخ وغيرها لتصبح مناطق فارغة فاصلة بين السنة والشيعة بدعم إيراني ثم تلاها في ريف دمشق وما حولها (داريا ) في صفقة بين النظام وإيران وميليشياتها من خلال سيطرة النظام على داريا وما حولها بالمقابل إطلاق يد تركيا في جرابلس  واحتلالها من خلال مرتزقتها حيث تم إخراج  الجماعات المسلحة (المرتزقة ) مع عائلاتهم وتوطينهم في الشمال السوري في منطقة الباب وقراها ذات الغالبية الكردية ومدينة الباب نفسها كانت مقابل صفقة حيث تم تسليم حلب الشرقية لقوات الحكومة السورية وميلشيات إيران مقابل تمدد تركيا في عمليتها المسماة درع الفرات لمحاربة الكرد  .

وفي الوقت الذي كانت إيران تقوم فيه بالمقايضة مع تركيا سواء في حمص وريف دمشق والقلمون كانت تركيا تقوم بتوظيف داعش للهجوم على المناطق الكردية وجلب المسلحين للعمل لديها كمرتزقة  ففي أواخر 2014م هاجم تنظيم الدولة (داعش ) بدعم تركي مدينة كوباني  مما أدى إلى نزوح أكثر من نصف مليون كردي  من أراضيه، وبالمقابل قامت إيران بفعل مماثل في كل من دير الزور والرقة ومنبج وجنوب الحسكة  بهدف تغيير ديمغرافي ممنهج حيث مازال قسم كبير من النازحين في مخيمات اللجوء والتي بدورها تفتقر ألي أدنى مقومات الحياة أمام أنظار المنظمات الدولية والحقوقية دون أن تحرك ساكنا ، إلا أن سير المعارك في كوباني جرت بعكس ما تشتهيه  تركيا حيث تم إعلان تحالف  بين مكونات المنطقة باسم قسد (قوات سوريا الديمقراطية ) وجهت ضربات قاصمة لداعش المدعومة تركياً وهو ما أعتُبر فشلاً ذريعاً للعنجهيه الطورانية في تغيير ديمغرافية المنطقة الشمالية و الشرقية من سورية .

جاء عام 2018م ليشهدَ أكبر عملية تهجير وتغيير ديمغرافي مع هجوم تركيا ومرتزقتها على منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية وأدت لتهجير قسري لأكثر من 350 ألف شخص من سكان عفرين وقراها والذين لا يزال قسم كبير منهم يعيش في مخيمات الشهباء التي تديرها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية شمال ريف حلب، فالهجوم التركي على عفرين وتهجير سكانها جرى على شكل صفقة برعاية روسيه تم تسليم الغوطة بموجبها لقوات الحكومية في دمشق وجلبت مسلحيها وعوائلهم إلى عفرين ووطنتهم في بيوت وأراضي مهجري عفرين ليضافوا إلى مستوطنين من مناطق أخرى جمعتهم أنقرة في عفرين لإحداث التغيير الديمغرافي في هذه المنطقة الكردية  وهذه المقايضات لم تتوقف بل استمرت بتبادل منطقتي (الفوعة والكفريا) الشيعيتين مقابل (الزبداني ومضايا) وكذلك (سري كانية وتل أبيض ) مقابل أرياف (إدلب وحماه) .

وبين الفينة والأخرى تهدد تركيا يشن عمليات عسكرية جديدة لقضم أكبر مساحة من الأراضي السورية، وبالمقابل تزداد المخاوف من عمليات نزوح أكبر في المنطقة بسبب التهديدات التركية والتي سوف تكون بمثابة إكمال المشروع التركي في السيطرة على شمال وشرق سوريا وتشريد سكانها كما حدث في عفرين وكري سبي وسري كانية، ورداً على ذلك يجب على جميع المكونات بكردها وعربها وسريانها الوقوف في وجه هذه التهديدات وإفشالها في مهدها  وتكون جاهزة لأي هجوم والتصدي له.

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

زر الذهاب إلى الأعلى