آراء

روسيا وأوكرانيا … من الخاسر الأكبر؟

وليد الشيخ

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 24 شباط/فبراير 2022 عملية عسكرية خاصة على أوكرانيا، استهدفت أماكن كثيرة من بينها أبنية سكنية، مما أدى الى موجة نزوح كبيرة للأوكرانيين، وبعد وصول القوات الروسية الى كييف وبشكل مفاجئ أعلنت روسيا انسحاب القوات وإعادة التموضع ثم التوجه وتركيز الهجمات على الجبهات الشرقية.
وفي إطار هذه العملية العسكرية وحيثياتها تقاطعت وجهات النظر والتحليلات لمراكز الدراسات أن هناك من تورط في المستنقع الأوكراني فهناك وجهات نظر تقول لقد تم جر روسيا للمستنقع الأوكراني وأخرى تقول تم دفع أوكرانيا لتحريض روسيا على إطلاق عمليتها والتخلي عنها في البداية على الأقل، إلا أن النتائج على أرض الواقع بدأت وكأن هذه الحرب ليست شأناً روسياً أوكرانياً فقط، إنما هناك الكثير من يتأمل الفائدة من هذا الصراع ف الصراعات الدولية” إيران، تركيا، إسرائيل، الصين، كوريا الشمالية، ودول الاتحاد الأوربي ” كل تلك التي ذكرت بدأت فعليا من الدقيقة الأولى لإعلان العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا من وضع الخطط والسياسات الخاصة التي بنيت بالاستناد على هذا الصراع.
خالف الجيش الأوكراني الكثير من التوقعات وقاوم، وكسب بعض المعارك سواء بالصمود أو بتكبيد القوات الروسية بالخسائر البشرية والعتاد العسكري، ففي البداية وقف الغرب ومن خلفهم الولايات المتحدة مكتوفي الأيدي دون ردة فعل ملموسة على الأرض وكأنهم تركوا الأوكرانيين يواجهون مصيرهم لوحدهم أمام الدب الروسي، ثم خرجت الإدانات من كل حدب وصوب ضد الغزو الروسي، والتي لم تغير شيئاً في مسار العملية العسكرية، ومن ثم أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية حزمة من العقوبات الاقتصادية، وتبعتها موجات من العقوبات، ولكن لم تحقق المأمول في وقف العملية العسكرية الروسية بل وضعت الغرب في موقف محرج أمام تضررها من هذه العقوبات، وخصوصا تلك المتعلقة بالطاقة والغاز أولها وأهمها.
وأخذت الحرب الروسية الأوكرانية شكلا آخر بعد أن بدأت تأثيراتها وانعكاساتها على العالم وظهور بوادر خلل في الأمن الغذائي العالمي، والذي أوضح أهمية أوكرانيا كونها سلة الغذاء العالمي، وفي بعض الأحيان بدا وكأن الولايات المتحدة والغرب يسايرون الروس. ففي أوكرانيا الأمن الغذائي وفي روسيا الطاقة ولا تتوفر البدائل إلا بالتضحية بجبهات أخرى، استغلت تركيا كل ذلك ودخلت لتحقيق قيمة سياسة لها على المستوى الدولي من خلال لعب دور الوساطة بين روسيا وأوكرانيا وعلى ما يبدو حققت مبتغاها، ومن تبعات هذه الوساطة رضخت تركيا للرؤية الروسية من خلال إعلان نية التقارب مع الحكومة السورية، بالمجمل كانت للحرب الروسية الأوكرانية وما حملته من غنائم للدولة التركية على مستوى السياسة الخارجية لتكون تركيا من المستفيدين من هذه العملية.
البحث عن حلول لأزمة عدم جدوى معاقبة روسيا اقتصادياً وخاصة على مستوى الطاقة والغاز تحديدا مما يسبب آثاراً سلبية لأوروبا أكثر من روسيا ترك الاقتصاديين الأوروبيين والسياسيين يدرسون البدائل وكان لإيران نصيب ممن قد يكون بديلاً لمصدر الطاقة الروسي، ولكن إيران لديها ما تهدف إليه ولتقايض عليه “الملف النووي”، فتسارعت عجلة المفاوضات والتفاهمات لإعلان الاتفاق النووي مع إيران رغم معارضة إسرائيل وتنصلها من تحمل أي مسؤولية تجاه أي اتفاق رغم أنه لم يتم إعلان هذا الاتفاق إلا أن الجدير بالذكر أن العملية العسكرية الأوكرانية لعبت دوراً في دفع عجلة البحث في هذا الملف، لتكون إيران أيضا كما تركيا قد حققت مكاسب في السياسة الخارجية تحت مظلة الحرب الروسية الأوكرانية.
في ظروف حاجة أوروبا للطاقة ومحاولة معاقبة روسيا بغازها وقطع استيراده، ومحاولة الاستعانة بالغاز الأمريكي الذي وصل أوربا بثمن خمسة أضعاف سعر الغاز الروسي والذي كان كما أنه استغلال من الولايات المتحدة الأمريكية لحاجة أوربا، والتي لا يمكنها الاعتماد كثيرا على هذا البديل، ليطفو على السطح محاولات منفردة للدول الأوروبية لتأمين مصادر الطاقة فمنها من توجه إلى الجزائر و إفريقيا ومنها إلى قطر وإيران ولكن هنا يجب التنويه إلى إمكانية تضارب المصالح بين الدول الأوربية وخاصة أنه يتطلب وصول الغاز إلى دولة أوروبية إلى ضرورة المرور بدولة أخرى، مما قد يسبب أزمات سياسية في تأمين مرور خطوط الغاز هذه، في هذا الظرف بدأت أيضا بعض الدول الأوربية بالبحث عن بدائل ذات إمكانيات ذاتية ومنها ما لجأت إليه بريطانيا بتركيب عنفات هوائية لتوليد الكهرباء بلغ عددها إحدى عشر ألف عنيفة في المحيط الأطلسي والتي أمنت ربع حاجة بريطانيا من الكهرباء، وقد تحذو حذوها المزيد من الدول بذات الطريقة أو بابتكار طرق جديدة، هذه الخطوة تعتبر صفعة لمستقبل الغاز الروسي حيث تنبه الأوروبيون إلى مدى تحكم روسيا بالطاقة في أوروبا وصناعتها وشركاتها من خلال غازها، حتى وأن توقف الحرب الروسية على أوكرانيا لن توقف اوربا البحث عن إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي.
بعد التأكد من فشل روسيا بخططها العسكرية التي كانت مرسومة لتحقيق أهدافها وفق جدول زمني وبدأت بمناورات عسكرية وتهديد مخزونها من الذخائر والأسلحة للكمية التي استخدمتها خلال الحرب وتسريب معلومات عن طلبها مسيرات من إيران ومفاوضات مع كوريا للحصول على ذخائر، هذا كله يؤكد تجاوز العملية للمهلة الممنوحة لها.
مؤخرا بدأ تدفق الأسلحة الأوروبية والأمريكية الدقيقة والحديثة لتحقيق نتائج في ميدان المعارك وتسبب في خسائر للقوات الروسية وتقدم على الأرض للقوات الأوكرانية، التي استطاعت استعادة بلدات كانت قد خضعت للسيطرة الروسية، وبهذا تكون أوكرانيا حققت مكاسب معنوية لجيشها وشعبها وثقة الداعمين لاستمرارها في تقديم الدعم، وسط حرج القوات الروسية التي لوحت مجددا باستخدام أسلحة أكثر فتكا.
رغم كل هذا الدمار الذي لحق بأوكرانيا والبنى التحتية فيها إلا أن العملية العسكرية أوضحت مدى أهمية أوكرانيا وضرورة استقرارها لاستقرار الأمن الغذائي، كما اكتسب الجيش الأوكراني احترام الجميع، وكانت المعارضة الأوكرانية في قمة المثالية حين أردت الزي العسكري وكانت جنبا إلى جنب في الحرب مع الحكومة الأوكرانية، كل هذه مكاسب لأوكرانيا.
روسيا في هذه الحرب بدت للعالم أنها في طريقها لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي، وأعلنت اكتشاف مختبر بيولوجي أمريكي في أوكرانيا يستهدف روسيا، كما انها دمرت الجيش الأوكراني وقدراته ولو مبدئيا لبضعة سنوات، وأعلنت استقلال جمهورية دونيتسك الشعبية و جمهورية لوغانسك الشعبية من جانب واحد، كما ألحقت أضرارا كبيرة بالبنية التحتية للمدن الأوكرانية التي باتت شبه مدمرة بشكل كامل. روسيا أظهرت القوة الاقتصادية الكبيرة لها من خلال مقاومتها للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والغرب، وفي ذات الوقت الخسارة التي لحقت بروسيا هو وصول عمر المعارك إلى هذه المدى دون تحقيق الأهداف بشكل كامل، والأهم من كل ذلك والذي سيولد أثراً لاحقا هو تنبه الغرب لأهمية الغاز الروسي وضرورة إيجاد بديل والاستغناء نهائيا عن روسيا، في هذا الإطار على ما يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية أكبر الرابحين من هذه الحرب، استنزاف القوات والجهود الروسية وأيضا لتكون الولايات المتحدة الأمريكية الساحة البديلة لاستثمارات الشركات الأوربية التي كانت هناك في روسيا، وإعادة اصطفاف التحالفات من جديد باللعب على حبل حقوق الإنسان وأن روسيا دولة غازية، وتقديم الإمدادات للأوكرانيين في هذا الإطار فقط لإطالة عمر الحرب أكثر.
الخطر الحقيقي المحدق بالعالم هو إصرار روسيا على لسان الكرملين أن ما تقوم به هو عملية عسكرية خاصة لتحقيق أهداف معينة وأنها لم تعلن الحرب الرسمية على أوكرانيا.. وهنا السؤال إذا أعلنت الحرب الرسمية ماذا سوف يحدث أكثر مما حدث؟
هذا ما قد يكون بمثابة الانتحار الروسي أو النحر الكامل لأوكرانيا باحتلال كامل أراضيها وضمها لروسيا بقوة السلاح، ومع استبعاد هذا الحدث ولكنه يذكرنا بمقولة فلاديمير بوتين للغرب “إذا جعنا سنأكلكم”.
في النهاية لابد من التنويه أن النتيجة الأوضح والمتفق عليها، أن هذا الصراع سبب هجرة ونزوح للأوكرانيين، وإعادة حسابات للروس وأزمة غذائية عالمية كانت ضحيتها البشرية عموما وكرس بذات الوقت صراعات في مناطق أخرى كما في سوريا، بما أن روسيا فاعل رئيسي بالأزمة السورية، إذاً الخاسر الأكبر المدنيون وضحايا السياسات الاحتلالية في شرق أوروبا وسوريا.

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

زر الذهاب إلى الأعلى