تحليلات

اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة.

اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة.

  

من تاريخ

 

أعلنت الأمم المتحدة في عام 1999م عبر الجمعية العامة  قراراً وذلك  بتخصيص (25) تشرين الثاني من كل عام يوم عالمياً للقضاء على العنف ضد المرأة واختيار هذا التاريخ من كل عام  تخليداً لذكرى اغتيال  (الأخوات الثلاث ميرابال)  على يد حاكم جمهورية الدومينيكان رفائيل تروخيلو في عام 1960، الذي كان قد تولى حكم البلاد وجاء  لدورة  ثانية على سدة الحكم  بشكل استثنائي غير منتخب حيث استولى على حكم البلاد كرجل عسكري متسلط  (وذلك عبر انقلاب عسكري ) وعرفت فترة حكمه بسياساته المستبدة  ضد شعبه، وظهرت في البلاد خلال فترة حكمه العديد من الحركات الشعبية المناهضة لسياساته القمعية وكانت أغلبها تعمل بشكل سري خوفاً من ظلمه وظلم رجالاته  مثل حركة 14حزيران، آنذاك كانت الأخوات الثلاث من المشاركات في تأسيس الحراك الثوري ضد تروخيلو وكن معروفات  بالفراشات  الثلاث  ضمن هذا الحراك ضد الظلم والقهر الساري في البلاد، بدأت المواجهة المباشرة بين الشقيقات ميرابال وتروخيلو  في إحدى المناسبات الرسمية  له وكانت  الشقيقات الثلاث حاضرات بدعوة منه لعائلة ميرابال، خلال هذا الحفل حاول تروخيلو التحرش بإحدى الشقيقات أمام أنظار الحاضرين الأمر الذي رفضته  وردته له بالصفع على وجهه  وانسحبت العائلة على أثر هذا الحادث من الحفلة  منزعجين من تصرف حاكم البلاد وأمام نظر الناس غير آبهين بما سيترب عليهم من هذا الأمر وما ينجم عنه من نتائج  مما جعل حاكم البلاد يحمل حقداً تجاه العائلة ككل وليس فقط الشقيقات، بعد تلك الحادثة  أصبح افراد العائلة يتعرضون كلهم للمضايقات والاعتقالات الواحد تلو الأخرى  وحتى الشقيقات  تعرضن إلى اعتقالات تعسفية  الأمر الذي أثار غضب الشقيقات اللواتي سرعان ما قرروا الرفع من وتيرة النضال  ضد تروخيلو ضمن الحركات التحريرية المنتمين إليها ، خلال ملاحقة تروخيلو ورجاله الشقيقات الثلاث  لاحظ تروخيلو التأثير القوي للفراشات الثلاث على الحراك  السياسي الثوري ضده  داخل البلاد الأمر الذي زاد من حقده عليهن لذا أعطى الأوامر لرجاله باغتيالهن  بهدف الخلاص من خطرهن على حكمه ومن جانب آخر لكي يصبحن عبرة لكل شخص يقف في وجه، وتمت عملية الاغتيال في مساء 25 تشرين الثاني – نوفمبر في عام 1960م بشكل وحشي وممنهج  فبعد قتل الشقيقات الثلاث  مع السائق المرافق لهن تم التنيكل بالجثث من قبل رجال تروخيلو والقائهن مع السيارة في منحدر صخري حتى يتبين الأمر على أنه حادث سير طبيعي، ولكن سرعان ما تبينت ملابسات قضية اغتيالهن أمام الراي العام  في البلاد من قبل تيارات الحراك الثوري ضد تروخيلو  مما  زاد من حدة الاحتقان الشعبي ضده  وبدأت ثورة داخلية علنية ذات طابع عسكري سياسي لإسقاط حكم تروخيلو دامت ما يقارب ستة أشهر دون توقف وانتهت بمقتل تروخيلو على يد المتظاهرين عام 1961 وانهيار حكمه الديكتاتوري، بفضل بسالة وقوة الروح الثورية لدى الشقيقات الثلاث استطعن تخليص البلاد من حكم الديكتاتور تروخيلو ودفعن حياتهن ثمناُ  لخلاص مجتمعهن من القهر والظلم ، و سرعان ما انتشر خبر مقاومة الشقيقات وقضية اغتيالهن  في كل أرجاء الأرض وأصبحوا أيقونات وإرث تاريخي لكل النساء والحركات النسوية اللواتي يناضلن من أجل حريتهن وحرية المجتمعات من الأنظمة المستبدة المبنية على الذهنية الذكورية ، بعد تلك المقاومة العظيمة قام شعب جمهورية الدومينيكان بكسر تماثيل تروخيلو ووضعوا مكانها تماثيل للفراشات الثلاث تمجيداُ لأرواحهن الطاهرة وإلى يومنا الراهن هذه التماثيل شاهدة على عظمة مقاومة المرأة ضد الأنظمة المستبدة ، وتخليداً لهم ولذكراهم اتفق أنصار حماية حقوق المرأة في عام 1981بالاحتفال في كل عام وبتاريخ 25 تشرين الثاني  كيوم عالمي لمحاربة كل أشكال العنف ضد المرأة، بعد ذلك بأكثر من خمسة عشر عاماً أعلنت الأمم المتحدة  هذا اليوم يوما دولياً للقضاء على العنف ضد المرأة تكريماً لمقاومتهن ضد الاستبداد، هذا  ولا يزال هناك تأثير للروح الثورية للفراشات الدومينيكيات إلى يومنا الراهن على  الكثير من الحركات والجمعيات النسوية والتحررية ويتخذن منهن الإلهام الثوري للنضال من أجل الحرية والديمقراطية، وأصبحت  حكاية الشقيقات الثلاث تروى للأطفال وكتبت العديد من الروايات  عنهن وتحول البعض منها الى أفلام، هذا وقد حولت الأخت الرابعة لعائلة ميرابال منزل العائلة الى متحف لمقتنيات الشقيقات الثلاث وتولت مهمة نشر قصة حياتهن ونشاطهن السياسي ضد الظلم في البلاد إلى الرأي العام العالمي ، فقضية اغتيال الشقيقات  كانت ذات تأثير استراتيجي بعيد المدى على واقع المرأة في القرن الحادي والعشرين وجعل  موضوع العنف الممارس بحق المرأة بكل أشكاله يطفو إلى السطح  في كل أصقاع الأرض وفي مختلف المجتمعات حيث فتحت له آفاق النقاش فيه لتسليط الضوء عليه وقدمت تقارير بخصوصه حيث يطرح فيه الكثير من الأسئلة، هذا وقد جرت أنشطة مدنية كثيرة بخصوص ضرورة مناهضة العنف ضد المرأة من قبل جهات فاعلة كالحركات والمؤسسات والشخصيات النسوية وأيضاً بعض الحركات المجتمعية الديمقراطية التحررية، حيث  أفضت هذه النقاشات  والاجتماعات والأنشطة بهذا الشأن إلى إصدار عدة قرارات دولية رسمية تخص المرأة من ناحية الحقوق  ورفض ظاهرة العنف الممارس بحقها وضرورة مشاركتها بأماكن صنع القرار  مثل  :

( اتفاقية سيداو ، قرار مجلس الأمن رقم 1325 ، قرار مجلس الأمن 1820م ) رافق إصدار هذه القرارات تحديد يوم عالمي للقضاء على العنف ضد المرأة  يتم فيه الإعلان عن بدء حملة من الأنشطة وفعاليات تبدأ ب 25 تشرين الثاني  وتنتهي في العاشر من ( كانون الأول ) وهو تاريخ إعلان  اليوم العالمي لحقوق الإنسان بهدف ربط الانتهاكات بحقوق المرأة  بألانتهاكات لحقوق الإنسان واعتبار حقوق المرأة جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

فحملة الستة عشر يوماً هي بمثابة  حملة توعية  بجميع أشكال العنف ضد المرأة  من اغتصاب وعنف أسري الذي يمارس بحق المرأة وكل شكل من أشكال الضرر الجسدي  أو النفسي أو الإجبار أو الإكراه سواء كان داخل الأسرة أو حتى الدولة نفسها، وبحسب منظمة الأمم المتحدة، تتعرض امرأة واحدة  من أصل ثلاث نساء في جميع أنحاء العالم لاعتداء جسدي أو جنسي على يد شخص قريب منها، وفي أغلب الحالات يؤدي عدم وجود تشريعات وقوانين في بعض البلدان بشأن هذه القضايا التي تخص المرأة  إلى وضع بعض النساء في أوضاع  مهددة وغير مستقرة فالسائد في العديد من البلدان غالبا ما يكون القانون متحيزا للرجل وتشير بعض الدراسات إلى  أن هناك ارتفاع في معدلات الاكتئاب لدى النساء بسبب التعرض للعنف ومن أكثر أشكال العنف انتشاراً بالعالم هو العنف القائم على النوع الاجتماعي لذا هناك صفر من النساء اللائي لم يتعرضن للعنف، وقد وضعت الأمم المتحدة عنواناً واقعياً لموضوع العنف ضد المرأة واصفاً إياه بأنه جائحة عالمية.

فممارسة العنف ضد المرأة له أبعاد اجتماعية وسياسية كبيرة على المجتمعات وأصبح من الضروري تسليط الضوء عليه تاريخياً وصولاً لمراحل الرأسمالية التي تستخدم مشاركة المرأة بميدان العمل بشكل سيئ، فقضية العنف ضد المرأة يتشابك فيها جوانب كثيرة فمنها سياسية واجتماعية وثقافية متوارثة منذ القدم، هذا وخلال المائة عام الأخيرة أضحت قضية المرأة من أكثر القضايا  التي يناقش بها من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين وضرورة مشاركة المرأة ووجودها في الحياة السياسية وأصبحت مشاركتها هو دليل الديمقراطية والمساواة بالحقوق بين الجنسين، ولكن رغم كل ما سبق من قرارات  لا يزال واقع المرأة فيه الكثير من العنف وخاصة خلال  بروز النظام الرأسمالي الذي زاد من حدة العنف ضدها عبر استغلالها بشتى الطرق من أجل استمرار ايديولوجيتها وهي أكبر ضحية في حروبها ونظامها السياسي القائم على أساس سياسة الأنا الفردية حيث انعكس هذا الواقع على المجتمع ككل والذي اضحى ضحية للنظام الرأسمالي.

فمشكلة العنف ضد المرأة لا تكمن فقط في غياب قوانين وأنظمة خاصة بها إنما يتعدى الموضوع  إلى أبعد من ذلك بكثير فموضوع العنف ضد المرأة هو مرتبط بالتاريخ الطويل للمرأة التي دائما ما قاومت الذهنية الذكورية ، وعلى هذا التاريخ النسوي حافل بالكثير من أسماء النساء اللواتي رفضن الخضوع لسياسة الأمر الواقع هذه السياسة التي تستمد قوتها من الذهنية الذكورية التي هي منبع بناء نظام الدولة الذي بنى نفسه  منذ خمسة الاف عام  على القوانين والأنظمة التي لم تعطي المرأة حقها  بل وسلبتها ما تمتلكه من إرثها التاريخي منذ العصر النيوليتي أي عهد الآلهة الأم لإبعاد المرأة عن جوهرها الحقيقي مما جعلها أكثر عرضة للعنف لأنها فقدت بذلك جزءاً من وعيها وأصبحت غير قادرة حتى على تمييز واقعها بأنها أمة ومسلوبة الإرادة،  وهذه المعاناة موجودة في كل  دول العالم وتختلف من مجتمع إلى آخر حسب القوانين والأنظمة و الطبيعة الإجتماعية، فالعنف الواقع على المرأة لا يرتبط فقط بسلوكٍ ما إنما هو ظاهرة متكاملة ذات أسلوب ممنهج ضد المرأة وهي ظاهرة قديمة على المرأة بقدم تاريخ عبوديتها ، واستمرار ظاهرة العنف بكل أشكاله عبر التاريخ  أصبح له آثار وخيمة على واقع المرأة والذي يمكن أن يكون :  اجتماعيأً، لفظياً ، نفسي ، اقتصادياً ، جنسياً …. الخ،  فأغلب حالات العنف تؤدي الى انتحار المرأة لخلاص نفسها من الهلاك الذي تعيش فيه.

بشكل عام يبدو أن العنف لازمة المرأة ونضالها تاريخياً في سبيل تحقيق أحلامها بالحرية والمساواة وقدمت تضحيات في نضالها إلى يومنا الراهن لذا نرى أن  قضية المرأة اليوم اصبحت قضية رأي العام في الاجتماعات والمحافل  الدولية الإقليمية والمحلية من أجل تحقيق العدالة فيها ، وقد تم إصدار قوانين وقرارات سردناها سابقا بهذا الخصوص  ولكن رغم ذلك لا تزال المرأة تعاني من العنف بكل أشكاله كون هذه القوانين بذهنية بعيدة عن واقع المرأة لذا من الجدير بالذكر هنا  تسليط الضوء على أطروحات وأفكار المفكر عبدالله أوجلان  بخصوص قضية المرأة ضمن المجتمع وكان سباقاً بهذا الخصوص أكثر من غيره من المفكرين ونجد اليوم لأفكاره آثار  جمة في تغيير واقع المرأة في المجتمع هذا ويشير بأنه يجب تحليل قضية المرأة ضمن المجتمع بكل أبعادها كون قضية المرأة هي منبع كل القضايا الاجتماعية ، حيث كان له تجربة رائدة في هذا المجال وذلك عبر ترجمة أفكاره على أرض الواقع بخصوص المرأة وتأسيس حركة تحرر المرأة الكردستانية التي ضمت في صفوفها النساء من جميع أجزاء كردستان لتتطور فيما بعد وتضم نساء أمميات، هذا وقد برز دور المرأة بشكل كبير في الثورة التي انطلقت في روجآفا والتي عرفت بثورة المرأة بما لها من دور فعال في جميع المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية ولها بصمتها الخاصة وذلك عبر صياغة قوانين وأنظمة ومجالس خاصة بشؤون المرأة، والمشاركة في إدارة مؤسسات الإدارة الذاتية تحت مفهوم الرئاسة المشتركة.

وهذا وقد برز في سياق حرب الإبادة الجماعية الممنهجة ضد الشعب الكردي نساء ثائرات كان لهن دور كبير في إلحاق الضرر الكبير بالدول المحتلة لجغرافية كردستان، كما لهن دور استراتيجي في تغيير موازين القوى لصالح الحركات الكردستانية  من أمثال (بريتان ، زيلان ، ساكينة ، آرين ، افيستا) اللواتي  دافعن عن حرية المرأة وعن كردستان حتى الرمق الأخير.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى