انتهاكات جسيمة ترتكبها السلطات الانتقالية خلال اجتياح حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب
ارتكبت القوات التابعة لما يُسمّى «الجيش العربي السوري» انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بحق المدنيين في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب، وذلك عقب اجتياحهما بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2026، بذريعة وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الحيين.
حيث يسكن حيي الشيخ مقصود والأشرفية غالبية كردية ينحدر معظمهم من منطقة عفرين الذين تعرضوا لسلسلة تهجير متتالية بدأت في عام 2013 على يد الفصائل المسلحة والنظام السوري باتجاه منطقة عفرين، وفي عام 2018 نزحوا للمرة الثانية نتيجة “عملية غصن الزيتون” التركية التي أدت إلى احتلال عفرين في 18 آذار 2018 وتوجهوا إلى منطقة شهبا – ريف حلب الشمالي، وفي نهاية عام 2024 تعرضت المنطقة لهجمات عنيفة من قبل الجيش الوطني السوري في ما سمي بـ”عملية فجر الحرية” التي أدّت إلى نزوح قسري لقرابة 120 ألف مدني باتجاه حيي الشيخ مقصود ومناطق شمال شرق سوريا. وهذه المرة كانت الموجة الرابعة التي يتعرض فيها سكان الحيين للهجمات من قبل الفصائل المسلحة المنضوية تحت ما تسمى بـ”وزارة الدفاع” في السلطة السورية المؤقتة.
وشملت هذه الانتهاكات، وفق ما أفادت بها مصادر ميدانية وما تسرب من مقاطع فيديو، القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاستيلاء على ممتلكات المدنيين، والتهجير القسري، إضافة إلى التمثيل بالجثث وحرقها.
وقد أفادت مصادر ميدانية للجنة التوثيق في مركز روجافا للدراسات الاستراتيجية بأنّ منازل المدنيين تعرّضت لعمليات نهب وسرقة واسعة عقب سيطرة القوات المهاجمة على الحيين، حيث طالت عمليات السرقة عدداً كبيراً من المنازل التي اضطرّ أصحابها إلى النزوح نتيجة شدة الاشتباكات بين قوى الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة للإدارة الذاتية، وبين القوات المهاجمة التابعة لما يُسمّى الجيش العربي السوري، والتي يتكوّن معظمها من فصائل مسلحة كانت منضوية سابقاً ضمن «الجيش الوطني السوري» والمدعومة من تركيا، وقد أُدرج عدد منها مؤخراً على قوائم العقوبات الأميركية والبريطانية.
وشاركت في الهجوم عدة فصائل مسلحة، من بينها الفرقة 62 (العمشات) بقيادة محمد جاسم أبو عمشة، والفرقة 72 (السلطان مراد) بقيادة فهيم عيسى، والفرقة 76 (الحمزة) بقيادة سيف أبو بكر، والفرقة 80 (نور الدين الزنكي)، إضافة إلى لواء المعتصم. ووفق ما ذكرته صحيفة دير شبيغل الألمانية، بلغ عدد القوات المشاركة في العملية نحو 42 ألف عنصر.
كما ارتكبت القوات المهاجمة جرائم قتل بحق مدنيين، من بينهم أطفال، حيث أظهر مقطع فيديو متداول قيام أحد العناصر بطعن طفل أثناء اجتياح حي الشيخ مقصود. ووفقاً لمصادر غير رسمية، قُتل أكثر من 300 شخص في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية على يد القوات المهاجمة التابعة للحكومة المؤقتة في دمشق.
وفي سياق متصل، أقدمت مجموعة مسلحة على قتل كل من الصيدلاني علي عثمان وعمه عدنان عثمان، مدير مشفى عثمان، أثناء وجودهما داخل المشفى عقب دخول القوات المهاجمة إلى حي الأشرفية، حيث عُثر عليهما مقتولين بإطلاق نار مباشر على منطقة العين.
وفي مساء يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير 2026، وقعت مجزرة بحق عائلة كاملة تنحدر من قرية شيخوتكا التابعة لناحية معبطلي في ريف عفرين، وذلك نتيجة قصف القوات التابعة للحكومة الانتقالية السورية لحي الشيخ مقصود بمدينة حلب. وأسفر القصف عن مقتل ستة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم ثلاثة أطفال، وهم:
أمين رشو (الأب)، زينب أمين رشو (ابنة أمين)، شرفين حسن (زوجة ابن أمين)، وأطفالها: نورا رشو، أمين رشو، ميرا رشو.
كما أُصيبت زوجة الضحية أمين رشو، وتدعى نورا حسن، بجروح نُقلت على إثرها إلى مشفى خالد فجر في حي الشيخ مقصود.
وتعرض معظم المدنيين الذين بقوا في منازلهم في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و50 عاماً، للاعتقال التعسفي بحجة تعاملهم مع قوات سوريا الديمقراطية، وفق مزاعم القوات المهاجمة، حيث جرى اقتيادهم إلى جهات مجهولة. كما احتُجز عدد غير معروف من الشبّان على الحواجز المنتشرة على مداخل الحيين، وكذلك أثناء توجههم نحو مدينة عفرين، لا سيما بالقرب من مفرق أعزاز، وفُقد الاتصال بهم لاحقاً.
وأكدت شهادات أخرى نقل عدد غير معروف من المحتجزين إلى مركز احتجاز في مدينة حارم بمحافظة إدلب، إضافة إلى مراكز احتجاز أخرى في مناطق المحافظة والجميلية والعزيزية في مدينة حلب.
كما أظهرت مقاطع فيديو متداولة تعرّض المعتقلين الكرد، ومن بينهم نساء، لإهانات لفظية مهينة وعنصرية من قبل عناصر القوات المهاجمة، تضمنت عبارات مثل:
«عوي ولاك… خنازير… ملاحدة… كلاب قنديل»، وهو ما يُعد شكلاً من أشكال التعذيب النفسي والمعاملة المهينة وانتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.
وأظهر مقطع فيديو آخر قيام عناصر تابعة لسلطة دمشق بإلقاء جثة فتاة كردية بعدما فقدت حياتها أثناء الاشتباكات من الطابق الثالث في حي الشيخ مقصود، وسط صيحات التكبير، في سلوك يُعد منافياً للأعراف الدينية والأخلاقية والإنسانية. كما وثّق مقطع آخر حادثة سحب جثة مقاتل كردي على درج أحد الأبنية. وقد أثارت هذه المشاهد موجة واسعة من الغضب والاستنكار، لا سيما في الأوساط الكردية، التي أكدت أن المقاتلة كانت قد دافعت عن موقعها حتى «آخر رصاصة».
ووثّق قسم التوثيق في مركز روجافا للدراسات الاستراتيجية اختفاء أكثر من 364 شخصاً، بينهم 11 امرأة، ولا يزال مصيرهم مجهولاً حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
كما استهدفت القوات المهاجمة الأعيان المدنية في الأحياء ذات الغالبية الكردية، ومن بينها مشفى عثمان الذي خرج عن الخدمة في وقت مبكر، إضافة إلى مشفى خالد فجر في حي الشيخ مقصود.
وفي هذا السياق، أصدرت عدة منظمات مجتمع مدني ومنظمات حقوقية بياناً مشتركاً طالبت فيه الحكومة الانتقالية السورية بالكشف الفوري عن مصير مئات المحتجزين والمفقودين عقب معارك الشيخ مقصود والأشرفية، وضمان معاملتهم معاملة إنسانية، وفقاً للمعايير الدولية، ودون أي شكل من أشكال التمييز.
يُذكر أنه على إثر اتفاقية 10 آذار/مارس التي عقدت بين قائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي ورئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع توصّل مجلس حيّي الشيخ مقصود والأشرفية إلى اتفاق مع لجنة ممثلة عن السلطة السورية المؤقتة في محافظة حلب بتاريخ 1 نيسان/أبريل 2025، نصّ على الحفاظ الكامل على خصوصية الحيين، بما يشمل أمنهما وإدارتهما وخدماتهما وثقافتهما، وضمان ممارسة سكانهما حياتهم السياسية، بالتنسيق مع المؤسسات الخدمية والأمنية في مدينة حلب، وإنشاء آليات خاصة لتنفيذ ذلك.
كما أكّد الاتفاق على بقاء قوات الأمن الداخلي وحواجزها في الحيين وفق آلية محددة وبالتنسيق مع وزارة الداخلية، وتعزيز دورها في حماية السكان دون تدخل أي فصيل أو مجموعة مسلحة أخرى، إضافة إلى تبادل جميع الأسرى بين الطرفين، والإبقاء على النظام التعليمي كما هو إلى حين اتخاذ قرار شامل في شمال وشرق سوريا.
وعليه، يمكن تحميل السلطة السورية في حلب المسؤولية القانونية والسياسية عن الأعمال العسكرية التي أدت إلى سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا.
ولا يزال العدد النهائي للضحايا من المدنيين، إضافة إلى أعداد الجرحى والمصابين، غير معروف حتى الآن، في ظل وجود عدد من الضحايا تحت الأنقاض، ومنع ذويهم من الوصول إلى الجثامين ودفنها. كما تشير المعلومات إلى أنّ عدد المعتقلين تجاوز الآلاف بتهم تتعلق بالتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية، ورغم الإفراج عن عدد منهم، لا يزال مصير عدد كبير من المعتقلين مجهولاً حتى لحظة إعداد هذا التقرير.


